المقالات

من التاريخ الراهن … إلى التاريخ التطبيقي!!

مداولة نقدية.. ومقاربة تحليلية

(1) عن دار جداول.. صدر كتاب في التاريخ والفكر التاريخي الحديث/ المعاصر في طبعته الأولى عام2026، للأستاذ الدكتور الصديق زهير بن عبدالله الشهري، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض وعميد كلية العلوم الاجتماعية.
وحسب معرفتي به منذ الأيام الأولى في دراساته الأكاديمية (الماجستير والدكتوراه)، كنت أشعر بأنه من الباحثين الجادين والدارسين المميزين، وهو اليوم في طليعة الأساتذة المؤرحين الذين يقدمون دراسات وبحوث طليعية ومستقبلية يحولون فيها التاريخ من أحداث وسياسات وعسكرة وحروب إلى فكر وفلسفة وتطبيق!!
ولعل الشاهد الذي يؤكد ما قلته آنفاً، هو هذا الكتاب التاريخي النوعي والفريد الموسوم بـ: التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي/ التجارب والأدوات من الفهم إلى الابتكار (دراسة تحليلية مقارنة). والذي يطرح فيه إشكالية التحول المفاهيمي للدرس التاريخي المعاصر، ودور المؤرخ الحقيقي من نقل الممارسة التاريخية من التقليدية إلى الحداثة والمعاصرة، ونقل التاريخ من فضاءاته السردية/ التوثيقية إلى مجرات الفاعلية والتأثير.. وهذا ما سنكتشفه عبر هذه المقاربة التحليلية.
* * *
(2) الكتاب الذي بين أيديناينطلق من سؤال معرفي/ فلسفي مؤداه: كيف للتاريخ – وبالتالي المؤرخ – أن يتنامى فكرياً ومعرفياً وتحليلياً من علم يدرس الماضويات الأحداثية ويحولها إلى إجراءات وآليات وأدوات معرفية تساعد على الفهم والتفسير في أبعاد الحدث اجتماعياً واقتصادياً وحضارياً وسياسياً وذلك بهدف الاستفادة من الخبرة التاريخية التراكمية لمعالجة وسبر غور المشكلات والقضايا الآنية/ المعاصرة.
ومن هنا ينطلق المؤلف/ الصديق/ الدكتور زهير الشهري، في مناقشة الثنائية التاريخية المتشظية بين (الراهن) المحدث كونه مقاربة آنية للوقائع و(الماضي) االمكتسب/ المتحول كإرشيف ساكن لا حياة فيه. ومنهما يتشكل المعطى (التطبيقي) في صيرورته الأدواتية/ التحليلية/ الابتكارية المتجددة وصولاً إلى ما أسماه المؤلف: “رؤية متكاملة توحد التجربة بالمنهج والمعرفة بالنقل”.
ولعل الدكتور زهير الشهري – في كتابه هذا – يثير التساؤل المفاهيمي المتجدد حول دور المؤرخ المعاصر في كتابة عصره واحداثه الراهنة التي يعايشها من منظوره التاريخي الماضوي؟! أم أن المؤرخ لابد أن يعطي لنفسه زمناً متجدداً حتى يستعيد هذه الظاهرة التاريخية ويتعامل معها كتابياَ وتاريخياَ؟!
وأظن أن (الكتاب) بمفاصله البحثية، ومحاوره الموضوعية تجيب على هذه التساؤلات وتؤكد أن: دراسة التاريخ الراهن تحتاج إلى مؤرخ يجمع بين سرعة الاستجابة للأحداث والاستفادة من المعطيات الوثائقية المؤكدة والتريث في إصدار الأحكام.
وهنا يستشهد الدكتور زهير بأحد المفكرين التاريخيين وهو فتحي اليسير وكتابه (تاريخ الزمن الراهن) الذي يقول: إن البحث التاريخي في الأحداث الراهنة يحتاج من المؤرخ المبادرة بشكل عاجل لبحث حوادث الزمن الراهن ومعالجتها ولا ينتظر المسافة الزمنية أو ادعاء الحياد والموضوعية!! انظر الكتاب ص ص 44-45.
* * *
(3) ويتنامى الكتاب فكرياً ومنهجياً وموضوعاتياً عبر مباحثه الإحدى عشر التي يسفر عنها في صفحة المحتويات ص ص 5-8.. ولكنني سأشير هنا إلى ثلاثة محاور رئيسة يمكن أن تشكل تلخيصاً واختصاراً لتلك المباحث وأولها: التاريخ التطبيقي من المعرفة إلى الممارسة. وهذا أحد الأسس التي ينطلق منها الكتاب، حيث أن التاريخ التطبيقي أحد الاتجاهات في دراسة التاريخ وتعميفه بوصفه اتجاهاً يوظف المعارف التاريخية في معالجة الأحداث الماضوية أو المعاصرة، ولديه القدرة على استكناه واستشراف المستقبل، ويورد المؤلف هنا عدة تجارب دولية في التاريخ التطبيقي، ويخلص منها إلى مقولة (التفسير الفكري والتحول العلمي للمعرفة التاريخية!!) انزر الكتاب ص ص 151-170.
وثانيها: المصادر والأدوات للتاريخ الراهن والتي على المؤرخ/ الباحث أن يعتمد عليها للكتابة التاريخية في القضايا الراهنة، وهي الإعلام وتجلياته، والأرشفة الرقمية، والذاكرة الشفهية أو الشهادات المعاصرة مع التأكيد على حدس المؤرخ/ الباحث للتوثق من صحة المعلومات التي يستقيها من هذه المصادر.
وثالثها: التعالق بين الأحداث التي مرت عبر الذاكرة التاريخية والتكرار المحتمل لمثل هذه الأحداث حسب مقولة (التاريخ يعيد نفسه)؟ وهنا يحدث التداخل المعرفي بين ما هو ماضوي/ يمثل الذاكرة التاريخية، وبين ما هو معاصر، يمثل التاريخ الراهن، وبينهما يتحرك المؤرخ والباحث في التاريخ، انظر المبحث الحادي عشر ص 171 ومابعدها.
ومن خلال هذه الثلاثية المختصرة والمجملة للتعريف بهذا الكتاب، يجد القارئ أنه أمام محتوى معرفي وتاريخي يتميز بالجِدَّة والحداثة والمعاصرة في فهم التاريخ وآلياته الكتابية حيث يطرح لنا عدة مفاهيم تجديدية ومنها:
– التجديد في مفهوم التاريخ ووظيفته: فالتاريخ هنا ليس ماضوياً وحسب وإنما معرفة دايناميكية متجددة ومعرفة فاعلة ومنتجة كذلك.
– الربط بين النظرية والتطبيق وذلك انطلاقاً من التعريف الإجرائي/ الفرعي للكتاب: (التجارب والأدوات من الفهم إلى الابتكار).
وبذلك تتضح القيمة الفكرية والتاريخية والمعرفية لهذا الكتاب.
* * *
(4) وأخيراً فإني أنظر لهذا الكتاب المعرفي أنه نقلة نوعية في التفكير المتنامي لدى المؤرخ والزميل/ لدكتور زهير الشهري، وفيه دعوة مستنيرة إلى التجديد في وظيفة المؤرخ ونقله من المنهجيات التقليدية إلى فضاءات الواقع والأحداث الراهنة والجرأة على خوض غمار الكتابات المعاصرة مستعيناً بالمصدريات الموثوقة، مع التأكيد عل أن دور المؤرخ المعاصر هو الانتقال من مرحلة الأرشيفية وحراسة معطياتها المعرفية، إلى المساهمة الفاعلة في تفسير الحاضر واستشراف المأمول وتقديم المعرفة التاريخية على أنها أدوات فهم وإدارة معلومات.
وبذلك يقدم الكاتب والكتاب دعوة فكرية لإعادة النظر في مفهوم التاريخ بوصفه أحداث تؤثر في المجتمعات وقادرة على التغيير والتطوير.. وعلى المؤرخ استبطان هذه المعطيات وتوظيفها في قراءته التاريخية ومعالجة التحديات!! وهذا تأكيد لما رسخ في أذهاننا من أن التاريخ قراءة للماضي واستقراء للحاضر، وفهم متجذر ومتجدد بوعي وفاعلية!!
وعلى هذا أستشهد بمقولة الكاتب وائل العتيبي عن هذذا الكتاب أنه: “لا يكتفي بعرض المفاهيم والنظريات، بل يسعى لبناء جسر معرفي بين التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي موضحاً حدود التداخل ومجالات التكامل في محاولة لتأسيس رؤية تجعل من التاريخ علماً حياً يشارك في فهم الواقع وتوجيه مساراته” انظر جريدة الجزيرة، الثلاثاء 9 يونيو 2026م.
والحمد لله رب العالمين.
جدة: 17-50/5/1448هـ

د. يوسف العارف

شاعر وناقد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى