المقالات

واقع كبار السن طريحي الفراش: بين طبيعة الوهن وقسوة الأمراض المزمنة وشروط إعانات الموارد البشرية

عندما يبلغ الإنسان ثمانين أو تسعين عاماً أو يزيد، يبدأ الجسد فطرياً في إعلان انسحابه التدريجي من الحياة. هذا الواقع المرير يعيشه الكثير من الآباء والأمهات والأجداد في بيوتنا اليوم؛ حيث تحول الأمر من مجرد “أبونا شيخ كبير” إلى حصار خانق تفرضه أمراض مزمنة كالسكري، والضغط، والقلب، والكلى، بجانب وهن العظام وضعف شديد في العضلات والمفاصل جعلت من السرير سجناً أبدياً لا فكاك منه.
المعاناة الحقيقية المنسية خلف الأبواب المغلقة في بيوتنا تتجاوز ألم المرض نفسه، لتصل إلى تبعات قاسية تمس كرامة كبار السن في أدق تفاصيلها اليومية.
مع تقدم العمر، وتأثير بعض الأمراض للجنسين، يواجه الكثير من كبار السن رجالاً ونساءً مشكلة سلس البول والتبول والتبرز اللاإرادي.
هذا الوضع يحوّل الوعكة الصحية إلى أزمة إنسانية ونفسية طاحنة على مدار الساعة. فالحفاظات الطبية، رغم فائدتها المؤقتة، لا تحل المشكلة بمفردها؛ إذ إن بقاء المسن لفترة دون غيار فوري خارج عن إرادة رعاية الأسرة يتسبب في تسلخات جلدية مؤلمة والتهابات خطيرة تهدد حياته الضعيفة أساساً.
الأسر السعودية لا تقصر، والأبناء والبنات يستثمرون مع الله في خدمة والديهم أو أجدادهم، لكن الواقع أقوى من العاطفة ومن قدراتهم. حاجة كبير السن للنظافة تأتي فجأة ودون سابق إنذار؛ فقد تحدث في منتصف الليل، أو أثناء نوم الجميع أو بعد خروجهم من المنزل. يجد المسن نفسه طريحاً في سريره، شاعراً بقلة الحيلة، وتنهشه غصة نفسية قاتلة؛ فهو يرى نظرات التعب في عيون أبنائه وحاجتهم للراحة وللخروج، ويشعر بأنه بات عبئاً ثقيلاً عليهم، وهي أصعب طعنة يمكن أن تتلقاها نفسية إنسان عاش حياته عزيزاً يخدم نفسه ويخدم وطنه ومجتمعه.
تزداد المعضلة تعقيداً ومرارة في بيوت فرضت عليها الظروف الاجتماعية واقعاً حرجاً؛ فماذا تفعل أسرة مكونة من نساء وبنات، ولديهن أب أو جد طريح الفراش يحتاج إلى تنظيف ونظافة وتغيير لباس مستمر؟ هناك حرج شرعي ونفسي واجتماعي بالغ الصعوبة يمنعهن. وفي المقابل، بيوت أخرى غابت عنها البنات، وفيها أولاد وشبان وأمهم العجوز أو جدتهم تحتاج إلى عناية شخصية دقيقة لا يقدرون عليها حياءً وعجزاً.
هذه الحالات لا يكفيها طبيب زائر كل ثلاثة أشهر من الرعاية المنزلية يفحص المريض ويرحل، ولا تسد حاجتها الأجهزة الطبية؛ إنها بحاجة ماسة إلى أيدي عاملة متفرغة ومؤهلة. تحتاج إلى مرافق أو ممرض مقيم يقوم على النظافة الشخصية والكرامة الإنسانية لهؤلاء المرضى. وهنا تصطدم الأسر بأعباء مادية تفوق طاقتها؛ فتكاليف الاستقدام ورواتب العمالة المنزلية الخاصة بالعناية الشخصية تتجاوز بكثير القدرة المالية لمتوسطي ومحدودي الدخل.
إن الفجوة الحالية بين ما تقدمه فرق الرعاية المنزلية (والتي يقتصر نطاق عملها النظامي على الرعاية الطبية والتمريضية وبعض المستلزمات) وبين احتياج المسن اليومي للنظافة، هي مساحة حرجة يتألم فيها كبار السن بصمت، خصوصاً عندما تقابل طلباتهم برفض “التأهيل الشامل”. فأنظمة التأهيل الشامل الحالية تشترط “العجز الكلي” لسن الستين فما فوق، لكنها لا تشمل عامل تقدم العمر الفطري وبلوغ «أرذل العمر» لمن تجاوزوا الثمانين أو التسعين عاماً؛ حيث يجتمع وهن الشيخوخة مع قسوة المرض، دون مراعاة لأن هذا الواقع الفعلي يتطلب رعاية متفرغة للنظافة الشخصية التي تعجز عنها طاقة الأسرة.

صوتنا اليوم يحمل رجاءً وأملاً نضعه بين يدي أصحاب القرار في هذا الوطن المعطاء، الذي لطالما كان سباقاً في لفتاته الإنسانية. إننا بحاجة إلى آلية مرنة تحمي كرامة كبار السن ممن تجاوزوا ثمانين أو تسعين عاماً واجتمع فيهم اشتعال الشيب مع وهن العظم، ممن ليس لهم مصدر دخل أو دعم مالي؛ وذلك عبر استحداث بند مالي مباشر وموجه لتحمل تكاليف رواتب مرافقي العناية الشخصية لطريحي الفراش، أو من خلال برامج تمريضية وطنية متكاملة تغطي الجانب الرعائي والنظافة الشخصية في المنازل على مدار الساعة، ليبقى آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا في هذه المرحلة الحرجة معززين مكرمين في آخر محطات عمرهم، لعل الله يكرمنا بإكرامهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى