المُغَمَّس أسم عريق قفز إلى واجهة الأحداث وتصدر عناوين الأخبار مؤخراً عند الحديث عن الموقع الذي سقطت فيه شظايا الصاروخ الحوثي قبل أيام قليلة، وتقع هذه المنطقة في الجهة الشرقية من مدينة مكة المكرمة على بعد حوالي 20 كم، وتعد منطقة المُغَمَّس الحد الجغرافي الطبيعي لشمال شرقي مشعر عرفات ومن هذه المنطقة تتفرع عدة أودية ثم تجتمع لتكوين وادي عرنه ذلك الوادي الفحل الشهير الذي يمر بطرف عرفات من جهة الغرب وعلى ضفافه يقع مسجد نمرة.
ولمنطقة المُغَمَّس أهمية تاريخية حيث ارتبط ذلك الموقع بحادثة الفيل عندما أتى أبرهة الأشرم بجيش عرمرم ومعه فيل ضخم قاصداً مكة المكرمة لهدم الكعبة ونزل بجيشه في منطقة المغمس واستولى على الأبل التي ترعى هناك ومنها إبل عبدالمطلب بن هاشم جد الرسول ﷺ وحين ذهب عبد المطلب ليسترد الإبل سأله أبرهة لماذا لا تدافعون عن بيتكم المعظم يعني الكعبة المشرفة، فأجابه عبد المطلب «أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه» وعندما تحرك أبرهة نحو مكة أرسل الله سبحانه وتعالى طيوراً أبابيل تحمل معها حجارة من سجيل فدمرت جيش أبرهة كما ورد في القرآن الكريم، وقد قال الشاعر أمية بن أبي الصلت عن هذه الحادثة :
إن آيـاتِ ربـنـا ظـاهـراتٍ ما يماري فيهُن إلا الكفورُ
حُبِسَ الْفِـيلُ بالمُغَمَّس حَتَّى ظَلَّ يَحْـبُـو كَأَنَّهُ مَـعْقُـورُ
كلُّ دينٍ يوم القيامةِ عند الله إلاّ ديـنُ الحـنـيـفـة بـورُ
وكان لتلك الحادثة وقعٌ كبيرُ في جزيرة العرب وأصبحت من الأحداث البارزة في تاريخ مكة قبل الإسلام، حيث ازدادت أهمية مكة لدى العرب وعززت ارتباطهم بالبيت الحرام وترسخت قيمة الكعبة المشرفة كمركز ديني مهم يقصدها الناس للحج والزيارة. ولما لتلك الحادثة من أثر عظيم فقد سُميت تلك السنة بعام الفيل تخليداً لهلاك جيش أبرهة وحماية الله لبيته الحرام من ذلك الاعتداء وهي السنة التي ولد فيها سيد الخلق نبينا محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام وهي توافق حوالي عام 570 -571م.
ويأبى الله إلا أن يجعل من منطقة المُغَمَّس مكان مباركاً لإعلاء كلمة الحق ودحر الظالمين في كل عصر وهاهي صواريخ الغدر وأسلحة الخيانة تتحطم على صخور هذه الأرض الطيبة مما يُضفي على منطقة المُغَمَّس أهمية رمزية تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح رمزاً للقوة والثبات ودحر الباطل والانتصار في مواجهة التحديات والاعتداءات المختلفة على مر العصور، وهذا يمنح المكان قيمة رمزية مليئة بالأنفة والكرامة والكِبرياء والشهامة وتدعو إلى الاعتزاز بكل شبر من ثرى وطننا الغالي، وتجعل هذا المكان شاهداً معنوياً على الثبات ومقاومة المحن والتهديدات المختلفة عبر الزمن وترسّخ الشعور بالانتماء بهذا الوطن الكبير تعزز الثقة بالقيادة الكريمة.
نسأل الله تعالى أن يحفظ وطننا الغالي من كل سوء وأن يديم عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار وأن يحفظ لنا قيادتنا الرشيدة ويمدّها بالعون والتوفيق، ويسدد خطاها لما فيه خير الوطن والمواطنين. كما نسأله سبحانه أن يديم على وطننا وحدته وقوته، وأن يحميه من كل سوء ومكروه وأن يبارك في قيادته وشعبه ويجعل المملكة دائماً منارة للخير والعطاء وموطناً للعزة والشموخ والرخاء والاستقرار.




