المقالات

من اعتراض الصاروخ إلى تجفيف منابعه.. استراتيجية مواجهة الإرهاب الحوثي

لم تعد المواجهة مع المليشيا الحوثية مجرد معركة عسكرية لاعتراض الصواريخ والمسيّرات، وإنما أصبحت اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على مواجهة الإرهاب العابر للحدود، وحماية المقدسات الإسلامية، وتأمين الملاحة الدولية، ومنع الجماعات المسلحة من تحويل الدول إلى ساحات للفوضى والابتزاز السياسي.

ومن هذا المنطلق، تكتسب إشادة مجلس الوزراء السعودي، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، القائد الأعلى لكافة القوات العسكرية، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، بالكفاءة العالية لمنظومات الدفاع الجوي السعودي، أهمية وطنية واستراتيجية بالغة.

فهذه الإشادة تمثل وسام شرف وفخر واعتزاز على صدور رجال قواتنا المسلحة البواسل، الذين أثبتوا قدرتهم على حماية السيادة الوطنية والتصدي للاعتداءات التي تستهدف مكة المكرمة والمدينة المنورة ومدن المملكة ومنشآتها.

وإذا كان الدفاع عن الأوطان شرفاً، فإن الدفاع عن المملكة العربية السعودية شرف مضاعف؛ فهي وطن الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم.

وهنا يكون الفخر فخرين، والعز عزين، والشرف شرفين ، شرف الدفاع عن الوطن، وشرف حماية الحرمين الشريفين وقاصديهما.

لكن النجاح العسكري، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الاستراتيجي الأعمق :
هل يكفي اعتراض الصاروخ بعد إطلاقه، بينما تستمر الجهات التي تموله وتصنعه وتهربه في ممارسة أنشطتها؟

• من الدفاع العسكري إلى المواجهة الشاملة !

لقد أثبتت الدفاعات الجوية السعودية كفاءتها في إحباط الاعتداءات، والمحافظة على أمن المجتمع واستقرار مؤسسات الدولة، وحرمان المليشيا من تحقيق جانب كبير من أهدافها.

غير أن مواجهة التهديد الحوثي تتطلب الانتقال من التعامل مع نتائجه إلى معالجة مصادره : فالصاروخ الذي يُعترض في السماء سبقه تمويل وتسليح وتهريب وتدريب وقرار سياسي بإطلاقه .

ومن هنا فإن الاستراتيجية الفاعلة ينبغي أن تقوم على تكامل القوة العسكرية مع الإجراءات المالية والاستخباراتية والدبلوماسية والقانونية والإعلامية.

فلا يكفي إضعاف القدرات العسكرية للمليشيا ما دامت شبكات التمويل والتهريب قادرة على إعادة بنائها، ولا يكفي فرض العقوبات ما لم تتوافر الإرادة الدولية لتنفيذها وملاحقة من يلتف عليها.

إن المعركة الحقيقية ليست مع الصاروخ وحده، وإنما مع المنظومة التي تقف خلفه.

• مقال الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة المملكة في واشنطن … الدبلوماسية حين تخاطب العالم بلغته :

في هذا السياق، تبرز الأهمية الاستراتيجية للمقال الذي نشرته سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، في صحيفة «نيويورك تايمز»، تحت عنوان «لا حدود لما يمكن أن يفعله الحوثيون».

فالمقال لم يكتف بعرض الاعتداءات على المملكة، وإنما نقل القضية إلى مستوى الأمن الدولي، وربط بين تهديد المدنيين والمقدسات، وتعريض الملاحة العالمية وأسواق الطاقة للخطر، واستمرار شبكات التسليح والتمويل.

وقد دعت الأميرة ريما إلى تحرك دولي لمواجهة الحوثيين، مستحضرة تجربة التحالف الذي ضم أكثر من ثمانين دولة لمحاربة تنظيم داعش، ومؤكدة أهمية دعم الحكومة اليمنية وتجفيف منابع التمويل ووقف تهريب الأسلحة .

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يخاطب صناع القرار والرأي العام الغربي بلغة المصالح المشتركة، لا بلغة التضامن السياسي وحده.

فحين يدرك المواطن الأوروبي أو الأمريكي أو الآسيوي أن تهديد الملاحة في باب المندب قد ينعكس على أسعار الطاقة والتجارة والتأمين وسلاسل الإمداد، تصبح الأزمة اليمنية جزءاً من اهتمامه المباشر.

وهنا تتحول الدبلوماسية الإعلامية من وسيلة لشرح الموقف إلى أداة لبناء الوعي الدولي بحجم التهديد وضرورة مواجهته.

• نحو مشروع إعلامي ودبلوماسي دولي :

إن مقال الأميرة ريما ينبغي أن يكون نموذجاً ضمن مشروع إعلامي ودبلوماسي أوسع، يقوم على توثيق الانتهاكات الحوثية، وكشف شبكات التسليح والتمويل، وإيصال الحقائق إلى المؤسسات الدولية ومراكز الفكر والجامعات ووسائل الإعلام والمؤثرين في صناعة الرأي العام.

ولا يكفي أن نخاطب أنفسنا بما نعرفه عن الحوثيين، بينما تبقى قطاعات من الجمهور العالمي بعيدة عن فهم طبيعة التهديد وآثاره.

والمطلوب بناء مشروع مؤسسي مستمر، لا حملات إعلامية موسمية ترتبط بكل اعتداء ثم تتراجع بانتهاء التغطية الإخبارية.

مشروع يعتمد على تقارير موثقة بلغات متعددة، ومواد بصرية وبيانات قابلة للتحقق، وشهادات الضحايا، وتحليلات الخبراء، والتواصل المنظم مع البرلمانات والمنظمات الحقوقية والمؤسسات البحثية والصحفيين الدوليين.

كما ينبغي أن يسلط الضوء على الانتهاكات بحق الشعب اليمني نفسه، بما في ذلك تجنيد الأطفال، والاعتداءات على المدنيين، وتقويض مؤسسات الدولة، مع التمييز الدقيق بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي لا تزال قيد التحقيق.

فالحقيقة التي لا تصل إلى العالم تظل محدودة التأثير، مهما بلغت خطورة الوقائع التي تستند إليها.

والمعركة الإعلامية هنا ليست لصناعة رواية دعائية، وإنما لتقديم الأدلة وتمكين المجتمع الدولي من إدراك حجم الخطر، واتخاذ مواقف تستند إلى المعرفة والمسؤولية.

• «فجر اليمن» واستعادة المبادرة :

بالتوازي مع هذا التحرك، تبرز أهمية العمليات العسكرية التي تنفذها القوات اليمنية الحكومية ضمن «فجر اليمن»، على جبهات تعز والجوف ومأرب والبيضاء ولحج، بمشاركة تشكيلات عسكرية مختلفة.

فالضغط على مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة وخطوط الإمداد، إذا استمر ضمن قيادة منسقة واستراتيجية واضحة، يمكن أن يقلص قدرة الحوثيين على إعادة تنظيم صفوفهم ونقل تعزيزاتهم بين الجبهات.

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة لموقعها الاستراتيجي وصلتها بالممرات المؤدية إلى الساحل الغربي وباب المندب.

غير أن التقدم العسكري ينبغي أن يرتبط بهدف سياسي واضح، هو استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وحماية المدنيين، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، وتهيئة الظروف لتسوية مستدامة.

فالمعركة ليست لاستعادة المواقع العسكرية وحدها، وإنما لاستعادة الدولة من منطق المليشيا، وإعادة السلاح إلى سلطة المؤسسات الشرعية.

• محاصرة التهديد عسكرياً ومالياً وإعلامياً

إن مواجهة الإرهاب العابر للحدود تستدعي استراتيجية دولية متكاملة، تقوم على ثلاثة أبعاد متلازمة.

1-البعد العسكري والأمني، ويتمثل في حماية المدنيين والمقدسات والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، ودعم قدرات الدولة اليمنية الشرعية، ومنع الجماعات المسلحة من استخدام الأراضي اليمنية لشن الاعتداءات، في إطار القانون الدولي.

2-البعد المالي، ويشمل تتبع شبكات التمويل والابتزاز والشركات الواجهة، وتطبيق العقوبات المستهدفة، ومكافحة غسل الأموال، ومنع تهريب الأسلحة، بالتعاون مع الدول المعنية، مع ضمان عدم الإضرار بالاحتياجات الإنسانية للشعب اليمني.

3- البعد الإعلامي والدبلوماسي، فيقوم على كشف الانتهاكات بالأدلة، وتوسيع دائرة الوعي الدولي، وبناء شراكات مع مراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية والمنظمات الدولية، وصولاً إلى تحويل الإدانات اللفظية إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ.

فالمواجهة العسكرية تحاصر أدوات التهديد، والمواجهة المالية تجفف مصادره، والمواجهة الإعلامية والدبلوماسية تكشف مخاطره وتبني الإرادة الدولية للتصدي له.

وهذه الأبعاد لا تتنافس، وإنما يكمل بعضها بعضاً ، فلا يمكن تحقيق استقرار مستدام إذا استمرت مصادر التمويل والتسليح، أو بقيت الانتهاكات بعيدة عن اهتمام المجتمع الدولي.

• من حماية المقدسات إلى حماية الأمن الدولي

إن استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة لا يمثل اعتداءً على السيادة السعودية فحسب، بل يمس حرمة المقدسات الإسلامية ومشاعر المسلمين في أنحاء العالم.

وقد أكد مجلس الوزراء حق المملكة المشروع في الدفاع بكل حزم عن أمن الحرمين الشريفين وقاصديهما ومواطنيها والمقيمين على أرضها.

لكن المملكة، وهي تؤدي واجبها في حماية سيادتها ومقدساتها، تواجه تهديداً تتجاوز تداعياته حدودها ، فالملاحة الدولية وأمن الطاقة واستقرار اليمن مصالح مشتركة ينبغي أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته تجاهها.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة الاعتداءات بعد وقوعها، وإنما بناء استجابة دولية مستمرة تعالج أسبابها، وتحاسب المسؤولين عنها وفق الأدلة والقانون، وتدعم استعادة الدولة اليمنية.

لقد أثبتت القوات المسلحة السعودية قدرتها على حماية سماء الوطن، وأكدت العمليات اليمنية أهمية الضغط على مصادر التهديد، فيما قدم مقال الأميرة ريما بنت بندر نموذجاً لكيفية نقل القضية إلى الرأي العام الدولي بلغة المصالح والأدلة والمسؤولية المشتركة.

ويبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه الجهود إلى مشروع متكامل، تتضافر فيه القوة العسكرية مع الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد والقانون.

فلا يكفي أن نسقط الصاروخ إذا بقي المصنع، ولا أن نمنع الهجوم إذا استمر التمويل، ولا أن نكشف الجريمة إذا عجزنا عن إيصال حقيقتها إلى العالم.

إن الانتصار الاستراتيجي لا يتحقق باعتراض أدوات الإرهاب فحسب، وإنما بتفكيك منظومته، وتجفيف منابعه، واستعادة الدولة اليمنية، وإقناع العالم بأن أمن المملكة والمقدسات والممرات البحرية ليس شأناً محلياً، بل جزء لا يتجزأ من الأمن الدولي.

وهنا تنتقل المواجهة من إسقاط الصواريخ إلى إسقاط استراتيجية الإرهاب ذاتها، ومن إدارة الخطر إلى إزالة أسبابه، ومن رد الفعل إلى صناعة الأمن والاستقرار.

• خبير عسكري
• كاتب وباحث في العلاقات الدولية

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى