.. أمَا والله فإنّ الشّوق قد طغى بالخوجة والمحبةُ رابتْ على وسع قلبه وغرفه، فما وجد الخلاص – وأنّى له ذلك – إلا أن يحملنا معه على “جارية” من رقيق المعنى، وصادح القوافي، راكبًا بنا في لجّ “مجزوء بحر المتقارب”، فطابقَ الإيقاع في سرعته وثبَ نبضه في فورانه..
هكذا فانظر إليه يتواثب رشيقًا؛ لكن في وجل ويتواجد عشقًا، ولكن في “رزانة”
وموج “المتقارب” من حوله يتلاطم “فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ” ولا يغرنّك ما بدأ به قصيدته من نصيحة؛ هو أولُ من يخرق ناموسها
إرْفِقْ بِقلبِكَ واتْئِدْ
جَمْرُ المحبّةِ تَتّقِدْ
واصْبِرْ عليهِ إذا بَكَى
واعْطفْ عليه إذا شَردْ
وأنت لا تدري هنا؛ ما إذا كنتَ في “حضرة” منولوج يتناوب فيه الشاعر “المواقيت الزمكانية” بين داخله وخارجه، وحضوره وغيابه، أم تنطلي عليك حيل “الديالوج” فترى نفسك في مقام المخاطب، والمطالب بالرفق والاتئاد”، و”الصبر والعطف”، بينما “جمر المحبة يتقد”، والعطف عن القلب شرد
فهل أنصفك “الخوجة” وقد سعّر لك جمر المحبة؛ ثم طالب قلبك بما لم يسعْه هو في خصيصة نفسه..!؟
فلئن كان مخاطبًا قلبه، فبقية القصيدة لا رفق للقلب فيها ولا واتئاد ولا صبر، وإن كان يخاطبك أنت فخلّ عنك نصيحته، فما نصبها لك إلّا طريقًا للغواية، ومسرًا للجمال.
ودالة ذلك استدراكه البهي في ثالث “موجات” القصيدة وقد سلكت عباب “المتقارب” الضاج
وإذا تألَّمْ واشْتَكى
فلأنّهُ نَفَدَ الجَلَدْ
ها قد جئنا إلى الذي منه نشتكي ونناور ونخاتل ألم، وشكوى.. وهو “الحال الألزم، والوضع الطبيعي” لمن أحبَّ وعشق، فأيّ عشق لم يسلم صاحبه من الشكوى والابتلاء، وأي حب صفا لمحبوبٍ فنال الوطر، وبلغ المراد، وشفى النفس مما تجد، وحاجة من عاش لا تنقضي، وبلوغ المرام من المحبوب غاية لا تدرك، فلا مندوحة إذن من الألم، ولا فكاك من الشكوى، ولا جدوى من مُفتتحٍ يدعونا إلى الاتئاد والرفق والصبر، فما هي من لوازم العشق، ولا هي من أدوات مقارعة المحبة على بساط الشوق، وطوائف الجمر المتقد.. فـ
إنّ الّتي مَلكتْ هواهُ
تملّكتْهُ إلى الأبد
وما عليها إن فعلت، فدونها غرف القلب جميعًا، ولتصطنع لها مفتاحًا من رقيق حواشها، ولطيف ودادها، ومستطاب مذخوراتها الفواتك، ولتغلق متى شاءت، ولتفتح متى ما أرادت، هذا قانون “التملك العقاري” في مذهب الحب المتلاف وأي عجب، فمن بلغت الغاية بأن تطفئ نور الشمس، حُقّ لها هذا التملّك المنتهي بالاستلاب.. انظر إلى “الخوجة”، يقول لك:
فإذا بدَتْ أو أشرقَتْ
لمْ تُبقِ شمسًا في الأمدْ
ولقدْ تَجلّتْ بُرهةً
لمْ يدْرِ ذابَ أم ارْتعَدْ
وأيُّ نفع له إذا درى ذوبانه أو ارتعاده، فإنّما هو ذائب في حنان ورقة، ومرتعد من فرق وخشية الفراق، هائم طيفًا مقلقًا في سماء المحبين..
ليت “الخوجة” أطال المكث، ولج في “بحر المتقارب” بسفين القافية، وأطلقت “الجارية” في العباب، وخصّنا بالمطايب من غزل عفيف، وشبه عفيف، وما بعد ذلك إن شاء، فله العتبى فللمحبة قانون جذبها، وللعشق مسباره الذي لا يقاس إلّا به وله وعنه.. ولا منجأ من العقابيل، فاقرأ إن شئت على قلبك قول شاعرنا الفذ في قصيدته، وقد شارف على الخروج:
لمْ يدرِ عاقبةَ الهَوى
حتّى تملّكه السَّهدْ
وهل قرّ عينًا من أيقظَ قلبه في ليل العشق، أو ألقى به باكرًا في أتون الوله، أو صلّاهُ بجمر الهوى! فاسهدْ ما طاب لك السهاد، وخلّ عنك محاسبة النّفس من عواقب الهوى، فذاك هو المستراب المستطاب في ثنائية التضاد العجيب.. وكأنّ “الخوجة” قد أدرك ذلك فخلُصَ إلى الحكمة الوضيئة، والراحة المقلقة، والسكون الهائج، وهو يخص نفسه، أو يخصك بصادح القول:
أترُكْ لِقلبكَ ما وَجَدْ
ما مِثلُهُ أحدٌ وَجدْ
صدقت.. صدقت ورب الكعبة، هذا هو الحصاد المنشود، والغاية المرتجاة، والطراد المقصود، فإن بلغ الشوط مداه فذاك المشتهى، وإن لمع البرق وانطفأ فـ”أترُكْ لِقلبكَ ما وَجَدْ”..
ألا ما أبرك الساعة التي طافت عليَّ فيها رسالة معالي الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة، وقد خصني بقصيدته البارقة هذه، فجاءت “بلسمًا” في لحظات أقطعها قلقًا، وأعيشها مكابدة، فغيّر من مزاجي، وضبط إيقاع نفسي باتجاه المحبة، وقد كادت أن تطيش بوصلة القلب، وتنطفئ الجذوة، فجاء “جمر العشق” من موقد “الخوجة” فأشاع دفئًا حبيبًا وأنيسًا للروح.. وكم يفوت قارئي هذا المقام من حظيت به من عميق إلقاء القصيدة بصوت شاعرها المصاحب لرسالته، فذاك مقام؛ وأيّ مقام !
فشكرًا لك يا أستاذنا الأكرم في معالي مقامك المنيف، وشكرًا لقلبك الأخضر الريّان، وشكرًا لقوافيك السابحات في البحور المتلاطمات الهوائج، ولم تتركها رهوًا إلى السكون والدعة، فليس ذلك من خصائصك ما علمناك شاعرًا ثر العطاء، فيّاض الدفق، رقيق الحاشية.. ومعك نردد:
إرْفِقْ بِقلبِكَ واتْئِدْ
جَمْرُ المحبّةِ تَتّقِدْ
واصْبِرْ عليهِ إذا بَكَى
واعْطفْ عليه إذا شَردْ
وإذا تألَّمْ واشْتَكى
فلأنّهُ نَفَدَ الجَلَدْ
إنّ الّتي مَلكتْ هواهُ
تملّكتْهُ إلى الأبد
فإذا بدَتْ أو أشرقَتْ
لمْ تُبقِ شمسًا في الأمدْ
ولقدْ تَجلّتْ بُرهةً
لمْ يدْرِ ذابَ أم ارْتعَدْ
لمْ يدرِ عاقبةَ الهَوى
حتّى تملّكه السَّهدْ
أترُكْ لِقلبكَ ما وَجَدْ
ما مِثلُهُ أحدٌ وَجدْ

