✍️جمعان البشيري
ليس الوطن تلك المساحة التي تحددها الخرائط، ولا تلك الحدود التي ترسمها الجغرافيا، ولا حتى ذلك النشيد الذي نردده بحماسة حين ترفرف الرايات؛ فالوطن، في معناه الأعمق، كائنٌ حيٌّ يسكننا قبل أن نسكنه، ويمنحنا من طمأنينته بقدر ما نمنحه من وعينا، ويكبر في ضمائرنا كلما أدركنا أن الانتماء إليه ليس امتيازًا نفاخر به فحسب، بل مسؤولية ننهض بها.
ولعل أجمل ما في الأوطان أنها لا تطلب من أبنائها أن يكونوا نسخًا متشابهة، وإنما أن يكونوا قلوبًا متآلفة، وعقولًا واعية، وسواعد متعاونة؛ تختلف في الرأي دون أن تختلف على الوطن، وتتباين في الاجتهاد دون أن تتنازع على المصلحة العامة.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأخبار، وتضيق فيه المسافات بين ما يحدث في أقصى الأرض وما يصل إلى هواتفنا في لحظات، لم تعد المواطنة مجرد شعور عاطفي نستحضره في المناسبات، بل أصبحت ثقافة يومية، وسلوكًا حضاريًا، ووعيًا اجتماعيًا يحمي تماسك المجتمع من ضجيج الشائعات، ومن نزق الانفعالات، ومن تلك الأصوات التي تتقن إشعال القلق أكثر مما تتقن إضاءة الحقيقة.
وما أحوجنا اليوم، ونحن نعيش في وطنٍ جعل الإنسان محور تنميته، إلى أن نعيد قراءة علاقتنا به من زاوية الواجب قبل المطالبة بالحق، ومن زاوية المشاركة قبل الاكتفاء بالمشاهدة!
فليس من الإنصاف أن نطالب الوطن بكل شيء، ثم نبخل عليه بأبسط الأشياء؛ أن نطالب بنظافة الشوارع ونحن نلقي مخلفاتنا فيها، وننشد احترام الأنظمة ونحن نبحث عن ثغراتها، ونتغنى بالأمان ونحن نمنح الشائعات أجنحة تطير بها بين الناس!
إن حب الوطن لا يحتاج دائمًا إلى خطبٍ عصماء، ولا إلى مفرداتٍ تتزاحم فيها علامات التعجب، بقدر ما يحتاج إلى ضميرٍ يقظ، ويدٍ أمينة، ولسانٍ مسؤول، وعقلٍ يعرف متى يتحدث، ومتى يتحقق، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف تعليق.
ولعل من المفارقات أن بعضنا يظن أن خدمة الوطن مهمة المؤسسات وحدها، وكأن المواطن مجرد متفرج في مسرح كبير، ينتظر أن يُسدل الستار ليصفق للإنجاز أو ينتقد الإخفاق!
والحقيقة أن الوطن لا يُبنى في المكاتب وحدها، بل يُبنى في الفصول الدراسية حين يُخلص المعلم، وفي المستشفيات حين يرحم الطبيب، وفي الأسواق حين يصدق التاجر، وفي البيوت حين يغرس الآباء في أبنائهم قيم الأمانة والاحترام، وفي الطرقات حين يدرك السائق أن احترام النظام صورة من صور احترام الإنسان.
بل إن الكلمة التي نكتبها في فضاءات التواصل قد تكون لبنةً في جدار الوعي، وقد تتحول، حين تخلو من المسؤولية، إلى معولٍ يهدم الثقة ويزرع الريبة.
وهنا تتجلى قيمة الوعي الاجتماعي؛ فالمجتمعات المتماسكة لا تعني مجتمعات تخلو من الاختلاف، وإنما مجتمعات تعرف كيف تدير اختلافاتها دون أن تفقد بوصلتها، وكيف تحافظ على ثوابتها دون أن تغلق نوافذها أمام الحوار، وكيف تميز بين النقد الذي يريد الإصلاح، والضجيج الذي لا يريد سوى إثارة الغبار.
وفي مجتمعنا السعودي، بما يحمله من إرثٍ عريق وقيمٍ أصيلة، وبما يشهده من تحولات تنموية واسعة، تزداد الحاجة إلى ترسيخ مفهوم المواطنة الواعية؛ تلك التي لا تكتفي بالاعتزاز بما تحقق، بل تسهم في المحافظة عليه، وتدرك أن المنجزات الكبيرة تحتاج إلى أخلاق كبيرة تحرسها، وأن البناء المادي مهما ارتفع لا يكتمل إلا ببناء الإنسان.
وإذا كانت منطقتنا الخليجية تعيش في محيطٍ لا تهدأ فيه المتغيرات، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأوطاننا ليس أن نتحول جميعًا إلى محللين للأحداث، أو خبراء في قراءة النوايا، بل أن نحافظ على توازننا الاجتماعي، وأن نصون روابطنا الإنسانية، وأن نغرس في أجيالنا أن الاستقرار نعمة لا تُصان بالأمن وحده، بل بالعدل والوعي والتكافل وحسن المسؤولية.
فكم من مجتمعٍ أرهقته الشائعات قبل أن ترهقه الأزمات، وكم من علاقةٍ أفسدتها كلمة طائشة، وكم من حقيقةٍ ضاعت بين سرعة النشر وبطء التثبت!
إن الوعي ليس أن تعرف كل ما يحدث، بل أن تعرف كيف تتعامل مع ما يحدث، وأن تدرك أن ليس كل ما يُقال يستحق أن يُنقل، ولا كل ما يُنشر يستحق أن يُصدَّق، ولا كل اختلاف يستدعي خصومة.
وإذا أردنا أن نختصر معنى المواطنة في مشهدٍ إنساني واحد، فلنتخيل وطنًا يشبه بيتًا كبيرًا؛ لا تستقيم الحياة فيه إن انشغل كل فردٍ بالمطالبة بحقه ونسي واجبه، ولا يطمئن أهله إن جعلوا اختلاف طباعهم سببًا لتصدع جدرانه.
إن البيت الذي يتقاسم أهله المسؤولية يبقى دافئًا مهما اشتدت الرياح، وكذلك الوطن؛ تشتد مناعته كلما اتسعت فيه مساحات الثقة، وتعمقت فيه جذور الانتماء، وأصبح أبناؤه شركاء في حمايته وبنائه، لا مجرد مستفيدين من خيراته.
وليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، فذلك يناقض طبيعة البشر، ولكن أن نتفق على أن الوطن أكبر من خلافاتنا، وأن مصلحته أسمى من انتصاراتنا الشخصية، وأن محبتنا له لا تكتمل إلا حين تتحول من عاطفةٍ تسكن الصدور إلى أخلاقٍ تمشي على الأرض.
فالأوطان لا تقوى بكثرة من يتحدثون باسمها، وإنما بصدق من يعملون من أجلها.
وما بين مواطنٍ يزرع شجرة، وآخر يزرع قيمة، وثالثٍ يزرع علمًا، ورابعٍ يزرع طمأنينة في قلب إنسان، تتشكل الصورة الأجمل للوطن الذي نحب.
ذلك الوطن الذي لا نريد أن نورث أبناءنا أرضه ومنجزاته فحسب، بل نريد أن نورثهم أيضًا أخلاق المحافظة عليه، ووعي الانتماء إليه، وشرف المسؤولية عنه.
فالوطن الذي يسكن قلوبنا يستحق أن يظهر أثره في أفعالنا، لا أن يبقى مجرد قصيدة جميلة نحفظ أبياتها، ثم ننسى معانيها عند أول اختبار.
همزة وصل:
«الأوطان لا تحرسها الحدود وحدها، بل ضمائر أبنائها؛ فحين يصبح الانتماء خُلُقًا، والمسؤولية سلوكًا، يغدو كل مواطنٍ حارسًا لوطنه، وكل عملٍ صالحٍ لبنةً في بنيانه».
0






