«وللحديث بقية»
شهدت النجومية في عصرنا الحالي تحولاً بنيوياً حاداً، فلم تعد شهادة كفاءة أو انعكاساً لتميز علمي وفكري أو مهني حقيقي، بل تداخلت المفاهيم واهتزت معايير الصعود ليتصدر المشهد ظاهرة تؤرق الوعي الجمعي، وهي ظاهرة “صناعة التافهين” إن وصفها بالصناعة ليس من قبيل المبالغة، بل هو توصيف دقيق لعملية متكاملة الأركان لها أدواتها وممولوها ومستهلكوها، ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً ومكاشفة والذي يجب أن نطرحه دون مواربة هو: من الذي منح هؤلاء تذاكر العبور إلى صدارة المشهد، ومن الذي حوّل السطحية والابتذال إلى بضاعة رائجة يتسابق عليها الجميع؟
تبدأ الحكاية عادة بمقطع عابر، أو سلوك مستهجن، أو محتوى فارغ يثير الجدل، وبدلاً من أن يواجه هذا المحتوى بالإهمال الذي يستحقه كآلية دفاع مجتمعية طبيعية، يتلقفه الفضول البشري المتطلع لكل غريب، فنسارع بالضغط على زر المشاركة إما لنقده أو للسخرية منه، ومعه نسهم دون وعي في رفع أرقام مشاهداته وضمان انتشاره.
هنا تحضر خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي لا تعترف بالقيمة الأخلاقية أو العمق المعرفي، بل تعترف بلغة الأرقام والتفاعل المجرد، وبمجرد أن ترتفع هذه المؤشرات الرقمية، تتدخل القوة الاقتصادية ممثلة في الشركات والمعلنين الذين يبحثون عن أسرع طريق للوصول إلى جيب المستهلك، فتتدفق الأموال وتُفتح الأبواب، ويتحول الشخص السطحي فجأة إلى مؤثر يُدعى للفعاليات، ويُستشار في القضايا، ويُقدم للجيل الناشئ كنموذج للنجاح السريع والمبهر.
إن التداعيات السلبية لسيادة هذه الثقافة لا تقف عند حدود الضجيج الرقمي، بل تمتد لتضرب عمق البناء الاجتماعي، وأولى هذه الخطايا تتجسد في اهتزاز منظومة القيم والقدوات لدى الجيل الجديد؛ فعندما يرى المراهق أن السلوك الرصين والاجتهاد العلمي والمهني لا يلتفت إليهما أحد، بينما السلوكيات المستهجنة والسطحية تجلب الثراء والشهرة والاحترام الاجتماعي الزائف، يحدث لديه شرخ عميق في ميزان القيم، وتختل لديه بوصلة القدوة لتنحصر طموحاته في محاكاة هؤلاء للحصول على مكاسب مادية سريعة بلا عناء.
هذا الخلل القيمي يتزامن مع تهميش قسري لأصحاب الفكر والكفاءات، ففي مجتمع تتقدم فيه أرقام المتابعين على عمق الفكرة، يتراجع العلماء والمثقفون والأكاديميون والمبدعون الحقيقيون خطوات إلى الوراء، ويصاب أصحاب الكفاءات بالاغتراب والإحباط عندما يجدون أنفسهم في عزلة تامة، بينما تصبح منصات التوجيه والتأثير حكراً على من لا يملكون أهليّة معرفية، مما يؤدي بالضرورة إلى التسطيح المعرفي العام، حيث يضعف الاعتياد على استهلاك هذا المحتوى السريع قدرة المجتمع على التفكير النقدي، ليتحول تدريجياً إلى مستهلك للترندات اليومية الغارقة في الهامشية، وتغيب النقاشات الجادة التي تهم الشأن العام وتدفع بعجلة التنمية الفكرية والاجتماعية إلى الأمام.
إن إلقاء اللوم بكامله على الشركات المعلنة أو على خوارزميات المنصات ليس إلا نوعاً من الهروب من مواجهة الحقيقة، فالمستهلك هو سيد السوق دائماً، والمتابع هو الصانع الأول والأخير لهذا النجم المصطنع.
المسؤولية اليوم تقع على عاتقنا جميعاً في إعادة صياغة خياراتنا اليومية، فالوقوف في وجه هذه الموجة يبدأ بخيار الإلغاء الواعي، بالتوقف تماماً عن متابعة الحسابات الفارغة، والامتناع عن إعادة نشر المقاطع التافهة حتى لو كان الدافع هو السخرية منها، فالصمت التام والتجاهل هو السلاح الأقوى في مواجهة السطحية، والنار إذا لم تجد ما تأكله، أكلت نفسها.
على الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية الرصينة أن تقود حراكاً مضاداً يعيد الاعتبار للعلم والعمل الجاد، ويبرز النماذج المشرفة في المجتمع وما أكثرها، إنها معركة وعي بامتياز، وعلينا أن نختار بمسؤولية وشجاعة: هل نستمر في التصفيق لمن يسرق عقول أبنائنا ويسطّح مجتمعاتنا، أم نمسك بزمام المبادرة ونعيد توجيه البوصلة نحو المكان الذي تستحقه؟ حان الوقت لتسقط أوراق التوت عن زيف هذه النجومية المصطنعة، ولنعلن بكثير من المكاشفة أن مجتمعنا، بإرثه وقيمه وطموحاته الكبيرة، أرفع بكثير من أن يقاد بترند عابر أو تصنعه حسابات وهمية القيمة والأثر.

