يُعدّ كأس العالم 1938، الذي استضافته فرنسا بين الرابع والتاسع عشر من يونيو (حزيران)، واحداً من أكثر النسخ إثارةً وغرابةً في تاريخ البطولة. فقد جاء في فترة مضطربة سياسياً سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية بعام واحد فقط، ليصبح آخر مونديال يُقام قبل أن تتوقف المنافسات العالمية اثني عشر عاماً كاملة بسبب الحرب.
شهدت البطولة مشاركة 15 منتخباً فقط بدلاً من 16، وسُجل خلالها 84 هدفاً، وانتهت بتتويج إيطاليا باللقب للمرة الثانية على التوالي بعد فوزها في المباراة النهائية على المجر بنتيجة 4-2، مؤكدةً هيمنتها على كرة القدم العالمية في ذلك الوقت.
بدأت غرابة البطولة قبل انطلاقها. فقد قاطعت معظم منتخبات أميركا الجنوبية المنافسات احتجاجاً على قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم إقامة البطولة في أوروبا للمرة الثانية على التوالي. وكانت هذه المنتخبات ترى أن من حق القارة الأميركية استضافة النسخة الثالثة بعد نجاح الأوروغواي في تنظيم النسخة الأولى عام 1930. وأسفرت المقاطعة عن غياب عدد من المنتخبات القوية، ما أثّر في التوازن التنافسي للبطولة.
ومن أبرز الأحداث السياسية التي ألقت بظلالها على المونديال اختفاء منتخب النمسا من البطولة. فبعد ضم ألمانيا النازية للنمسا في مارس 1938 فيما عُرف بـ«الأنشلوس»، فقدت النمسا استقلالها، وأُلغي منتخبها الوطني رغم تأهله إلى النهائيات. وتم ضم عدد من أبرز لاعبي النمسا إلى المنتخب الألماني، لكن التجربة لم تنجح، إذ سادت حالة من التوتر وعدم الانسجام بين اللاعبين الألمان والنمساويين.
وبسبب انسحاب النمسا بعد اكتمال القرعة، تأهلت السويد مباشرة إلى الدور ربع النهائي من دون أن تخوض أي مباراة، في واحدة من أغرب الوقائع في تاريخ كأس العالم. واستفادت السويد من هذا الوضع لتصل إلى نصف النهائي بعد فوزها الكبير على كوبا بثمانية أهداف دون رد.
واعتمدت البطولة آنذاك نظام خروج المغلوب المباشر منذ البداية، ولم تكن ركلات الترجيح قد ابتُكرت بعد. لذلك، إذا انتهت المباراة بالتعادل، تُعاد كاملة في يوم آخر. وقد حدث ذلك بالفعل في مباراتي كوبا مع رومانيا، وألمانيا مع سويسرا. وبعد إعادة المباراتين، تأهلت كوبا وسويسرا إلى الدور التالي، وهو نظام يبدو غريباً للغاية وفق معايير كرة القدم الحديثة.
كما شهد المونديال أول مشاركة آسيوية في تاريخ كأس العالم. فبعد اعتذار اليابان عن المشاركة، مثلت الهند الشرقية الهولندية – التي تُعرف اليوم بإندونيسيا – القارة الآسيوية. لكن ظهورها كان قصيراً، إذ خسرت أمام المجر بستة أهداف نظيفة وغادرت البطولة من مباراتها الأولى والوحيدة في تاريخ كأس العالم.
أما فرنسا، الدولة المضيفة، فقد أخفقت في تحقيق طموحات جماهيرها بعدما خرجت من الدور ربع النهائي أمام إيطاليا. وبذلك أصبحت أول دولة مستضيفة في تاريخ البطولة تفشل في بلوغ المباراة النهائية.
ومن المواقف الطريفة أن بعض المباريات أُقيمت وسط أجواء سياسية مشحونة للغاية. ففي مباراة ألمانيا وسويسرا أدى اللاعبون الألمان التحية النازية قبل انطلاق اللقاء، بينما قابل الجمهور الفرنسي المشهد ببرود واضح. كما تحولت تلك المباراة إلى مفاجأة مدوية بعدما نجحت سويسرا في إقصاء المنتخب الألماني رغم امتلاكه أسماء بارزة.
ومن المفارقات الأخرى أن منتخب كوبا حقق أفضل إنجاز في تاريخه الكروي خلال هذه البطولة. فبعد تعادله مع رومانيا ثم الفوز عليها في المباراة المعادة، أصبح أول منتخب من منطقة الكاريبي يبلغ ربع نهائي كأس العالم، وهو إنجاز ظل علامة فارقة في تاريخ الكرة الكوبية.
وقد شهدت البطولة أيضاً بروز عدد من النجوم الذين تركوا بصمتهم في تاريخ اللعبة، وعلى رأسهم الإيطالي سيلفيو بيولا الذي سجل هدفين في المباراة النهائية، وأسهم بصورة كبيرة في احتفاظ بلاده بالكأس. كما قدم المنتخب المجري عروضاً هجومية رائعة جعلته أحد أقوى فرق البطولة رغم خسارته في النهائي.
وبالنظر إلى مجريات البطولة، يمكن القول إن كأس العالم 1938 لم يكن مجرد حدث رياضي، بل وثيقة تاريخية تعكس توترات أوروبا عشية الحرب العالمية الثانية. فقد اجتمعت فيه السياسة والرياضة والمفاجآت الكروية في مشهد نادر، ليظل واحداً من أكثر المونديالات فرادة وغرابة في ذاكرة كرة القدم العالمية.



