المقالات

هناك هزائم شرفها أعظم من الانتصار

الناس اعتادوا أن يقيسوا الحياة بالأبيض والأسود: فوز أو خسارة، نجاح أو فشل. لكن الحياة أوسع من ذلك بكثير، وفيها مواقف تنقلب فيها الموازين، فتصبح الهزيمة تاجاً، ويصبح الانتصار عاراً.

العمل بإخلاص وسط بيئة لا تقدّر، هو اختبار حقي للمعدن. حين تبذل جهدك دون تقصير، وتسهر على التفاصيل، وتظن أن أثرك سيُرى، ثم يأتي من بيده القرار فينكر كل شيء بكلمة قاسية وظلم واضح، تشعر أول الأمر بالمرارة. لكن هذه المرارة لا تعني أنك خسرت.

الخسارة الحقيقية أن تتنازل عن مبدئك لتنال رضا من لا يستحق. أن تكتم الحق، وتجامل على حساب نفسك، وتقبل الإهانة مقابل سطر مدح في ورقة. هذا انتصار شكلي، يمنحك مكسباً وقتياً، لكنه يسرق منك احترامك لنفسك، ولا يُنسى.

أما الهزيمة التي نتحدث عنها، فهي أن تقف على الحق وحدك، وأن ترفض أن تكون جزءاً من منظومة ظلم، حتى لو كلفك ذلك التقدير. شرفها أنها لم تغيّرك. خرجت منها وأنت كما دخلت: نقيّ في عملك، مستقيم في سعيك، لم تلوّث يدك بالمساومة.

التاريخ لا يحفظ أسماء الظالمين إلا مقرونة بالذم. ويحفظ أسماء من وقفوا رغم الأذى لأنهم آمنوا أن القيمة لا تُؤخذ من فم ظالم. فإذا كان لا بد من أن تخسر تقدير مشرفة بذيئة، فليكن ذلك خسارة تعلن أنك أكبر من مقياسها.

في النهاية، هناك انتصارات تُذل صاحبها، وهناك هزائم ترفعه. وشتان بين من انتصر على الناس وخسر نفسه، ومن خسر عند الناس وربح نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى