كنت على حق عندما قررت قبل سنوات الابتعاد عن الكتابة في الشأن الرياضي، فقد كان للقرار حيثياته “العقلانية” نتيجة ما طرأ من مستجدات ومتغيرات في الساحة الرياضية، إضافة إلى قناعتي الشخصية بأنني قدمت الكثير على مدى عقود في الإعلام والصحافة والتأليف الرياضي، وأن الوقت قد حان للتفرغ أكثر لما هو أهم في حياتي الشخصية، وكذلك إنجاز مؤلفاتي الجديدة في الثقافة والأدب والفكر الإسلامي.
لكن عودتي “المفاجئة” التي لم تخطر على بالي ولم أخطط لها أصلاً، ساقني إليها القدر عندما رأيت التاريخ يُذبح على قارعة “السوشيال ميديا”، ليُستخرج من أحشائه “نصف الحقيقة” حول قضية “حل نادي الاتحاد”، ثم تُنشر وكأنها القصة الكاملة.
كان بإمكاني ـ وأنا الكاتب المعتزل ـ أن أمر على عملية الذبح مرور الكرام، أو حتى أقف مع الصامتين في المدرج أتفرج وكأن شيئاً لم يكن، لكن عندما رأيت من تلقفوا الرواية “الناقصة” واعتبروها “الغاية والمطلب”، وسخّروها بطريقة ما للانتقاص من نادي الاتحاد ومحاولة إلصاق تهمة “الحل” به، رغم أن الأمر لم يتجاوز قراراً لم يُنفذ فعلياً؛ كان لابد لي من المداخلة عبر حسابي في منصة “X”، وسرد الحقيقة الكاملة في قضية “الحل” كما رواها لي بنفسه صاحب القرار، الرائد والرمز الرياضي الأمير عبدالله الفيصل ـ رحمه الله ـ والتي سبق لي نشرها في أحد مؤلفاتي الرياضية السابقة.
• حُكم على طاولة “البلوت”
واستكمالاً لما بدأت به في الحلقة السابقة من مقالاتي عن “عبدالله الفيصل الرمز الذي عرفته”، نعود من جديد إلى اللقاء الذي جمعني به في قصره واستراحته الخاصة بحي الروضة، أو ما كان يطلق عليه “مملكة الدجاج”، حيث أدهشني كلامه الصريح واعترافه بأنه كان يعشق نادي الاتحاد ويدعمه ويتابع مبارياته وتمارينه، ثم تخليه عن هذا العشق بعد أن تخلى عنه بعض الاتحاديين، وما سمعه من البعض في احتفالية بطولة الكأس في بيت باعشن، ومع ذلك ظل يدعمه بين الحين والآخر.
قال ذلك ثم رمى بورقة التسعة “حكم” على طاولة “البلوت” التي أمامه، حيث كان ـ رحمه الله ـ يجد في هذه اللعبة شيئاً من الترفيه وتنشيط الذهن، ويشاركه فيها بعض جلسائه المقربين أمثال أحمد الحمدان، ومحمد حسين أصفهاني ـ رحمهما الله ـ، وأحمد حكيم الغامدي ـ حفظه الله ـ.
وبالمناسبة، كان الأمير – كما عرفته – يكره الخسارة بطبعه في أي منافسة يخوضها، ولذلك لم يكن يرضى أن يخسر النتيجة حتى في لعبة “البلوت”، وإذا شعر بأن الأوراق التي بين يديه لن تحقق له الفوز المأمول، ينظر إلى زميله في المقعد المقابل فيكشف له أوراقه أمام المنافسين وبموافقتهم المسبقة على هذا الشرط في اللعب، ويستمر اللعب وسط ابتسامة الجميع وتنتهي اللعبة بفوزه الأكيد.
كنت أجلس على أريكة قريبة من سموه أتابع اللعب كمتفرج فقط، لكنني جعلت ذلك القرب فرصة لي لأفتح باب الحديث بسؤال أنتظر من إجابته ما يُثري رصيد معلوماتي عن سيرته وقصة تأسيس الرياضة السعودية وما يتعلق بها.
• قرار الرمز وشهادة للتاريخ
فبعد أن كشف لي سموه عن ميوله “الاتحادية”، قفز إلى ذهني مباشرة سؤال اعتراضي استدعته الدهشة التي تملكتني، وكأن السؤال قد حضر حينها بحثاً عن إجابة حاسمة من “الرمز” لتكون بمثابة “شهادة للتاريخ” على قضية لم أكن أتوقع إطلاقاً أنها ستثار بعد أربعة عقود بمحاولة تمرير معلومة “ناقصة” قد يبني عليها الاعلامي أو الباحث المؤرخ في طروحاته أو حتى يتلقفها المشجع الساذج لدعم موقفه الاستعدائي أو التهكمي بتلبيس نادي الاتحاد ثوباً ليس له ولا يكن يوماً في دولابه.
حضر السؤال التاريخي فلم أتردد في طرحه وقلت:
• لكنك يا سمو الأمير في يوم من الأيام أمرت بحل نادي الاتحاد.. أليس كذلك؟
صمت قليلاً حتى أعتقدت أنه لن يجيب، لكن أتضح أنه كان يسترجع فترة زمنية محددة من الماضي البعيد، ثم أجاب بعبارة مقتضبة فقال:
• نعم.. لقد أمرت بحله.
تحمست لجوابه المثير فأردفت بسؤال لا يقبل الدبلوماسية: لماذا يا طويل العمر؟
قال:
• بسبب تعنّت الاتحاديين في أمر لا يحق لهم، وحاولوا فرض رأيهم علينا.. فأمرت بحله.
قلت: نريد توضيحاً لما حدث يا سمو الأمير.
قال:
• عندما نظمنا أول بطولة لكأس ولي العهد عام 1377هـ، كان النظام ألا يشارك فيها إلا اللاعب الوطني فقط.. فحدث أن التقى الاتحاد والثغر “الأهلي حالياً” في مباراة قبل النهائي، فأشرك الثغر لاعباً اسمه “عبد الخير”، كان موظفاً في جمارك جدة، ولعب المباراة بشهادة من جهة عمله بأنه سعودي الجنسية، وعلى هذا الأساس قبلنا مشاركته في المباراة.
وفاز الثغر وخرج الاتحاد من البطولة على اعتبار أنها بنظام خروج المغلوب، وبهذا وصل الثغر إلى النهائي وفاز على فريق “الأولمبي” وحصل على الكأس، وطوينا صفحة البطولة.
لكن بعد فترة قصيرة اكتشف الاتحاديون أن اللاعب “عبد الخير” غير سعودي، فرفعوا احتجاجاً وطالبوا بإعادة مباراتهم مع الثغر.
فقلنا لهم: إن نادي الثغر لم يخطئ، فقد قدم شهادة رسمية من الدائرة التي يعمل فيها اللاعب “عبد الخير” تفيد بأنه سعودي الجنسية، والخطأ هنا خطأ اللاعب وإدارته، وعلى هذا الأساس أصدرنا قرارنا بإيقاف اللاعب عن اللعب مدى الحياة.
قال الاتحاديون: أبداً.. نحن نرفض هذا، ولن نلعب في بطولة الدوري القادم ما لم يُقبل احتجاجنا وتُعاد المباراة.
• الحزم لحماية النظام وليس لحل الاتحاد
ويواصل الامير شهادته التاريخية فيقول:”هذا الموقف من الاتحاديين جعلني أنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي أننا لو خضعنا لهم وتراجعنا عن قرارنا، لكان من الصعب علينا بعد ذلك تطبيق النظام على بقية الأندية، خاصة وأننا كنا في بداية الطريق لتنظيم المسابقات الكروية بشكل رسمي.
واحتراماً لهذا المبدأ والحيثيات الأخرى قلت لمسؤولي الإدارة الرياضية:”الحل عندي.. حلوا نادي الاتحاد”.
فقام الاتحاديون بإرسال عدة برقيات إلى الملك سعود ـ رحمه الله ـ يطلبون منه النظر في احتجاجهم وما قلته عن حل النادي، وكان الملك سعود يبعث لي ببرقيات مماثلة لحل مشكلة الاتحاديين، فكنت أقابل هذه البرقيات بالصمت.
ثم سكت الاتحاديون ظناً منهم أنني غير جاد في تنفيذ ما قلت، وأن المسألة مجرد “تهويشة”، وخاب هذا الظن عندما أصدرت بعد عدة أيام قراراً رسمياً، وطلبنا من إدارة النادي إحضار جميع ممتلكاتها من العُهد إلى ملعب الصبان وتسليمها إلى ممثلي إدارة الشؤون الرياضية.
قلت: ولكنه نادي الاتحاد يا سمو الأمير أكبر الأندية وأولها وأكثرها جماهيرية.
قال:
– كنت بالفعل جاداً وعازماً على هذا لأنني لن أخسر شيئاً، فقد كانت فرصتي لتطبيق النظام وضبط الأمور، ولتكن البداية مع نادٍ كبير كنادي الاتحاد.. وفي الوقت نفسه كنت أنوي أنه بعد مرور شهر أو شهرين من تنفيذ القرار، أسمح بتأسيس نادٍ جديد باسم “الاعتصام” أو “النظام” أو أي اسم آخر، فيعود الاتحاد من خلاله بطريقة غير مباشرة.. فالمهم عندي كان المبدأ.
• قرار مع إيقاف التنفيذ
ومن المهم هنا التوقف عند نقطة جوهرية في هذه الحادثة، وهي أن قرار حل نادي الاتحاد ـ كما يتضح من كلام الأمير نفسه ـ لم يتحول إلى إجراء تنفيذي مكتمل البناء القانوني، بل بقي في إطار القرار الصادر الذي يحمل رسالة ردع واضحة أكثر من كونه عملية حل فعلية.
فلو كان القرار قد نُفذ واقعاً، لكان ذلك يستلزم سلسلة من الإجراءات النظامية اللاحقة؛ مثل إنهاء الوضع القانوني للنادي، وحل مجلس إدارته، وتسريح لاعبيه وحرية انتقالهم وتسجيلهم في أندية أخرى بموجب القرار، وتصفية ممتلكات النادي، والإعلان الرسمي عن ذلك في الصحف، ورصد صدى القرار وردود الفعل الكبيرة الناتجة عن قرار كهذا – لو تم فعلا – باعتبار أن الاتحاد في ذلك الوقت يمثل العمود الفقري للكرة السعودية ويحظى بقاعدة جماهيرية كبرى.
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ولم يصدر بعد ذلك قرار آخر بإعادة تأسيس النادي أو تشكيل إدارة جديدة أو اتخاذ إجراءات إعادة قيامه كما أن النادي شارك بعد الحادثة بشهور في مسابقة الموسم الجديد وحقق البطولات واحتفل بالكوؤس مما يؤكد أن قرار الحل صدر على الورق ولم يُنفذ عملياً فقد كان الهدف منه إيصال رسالة حازمة بأن تجاوز النظام أو تحدي قرارات الجهة المنظمة له عواقب وخيمة.
ويؤكد ذلك أيضاً ما ذكره الأمير عبدالله الفيصل نفسه من أنه كان ينوي “ولاحظوا معي كلمة ينوي” بعد فترة السماح بعودة النشاط الاتحادي من خلال كيان جديد، مما يعني أن الحل لم يتم العمل به وأن الهدف من التلويح بورقة رسمية لم يكن القضاء على وجود النادي، بل فرض احترام النظام وإعادة ضبط العلاقة بين الأندية والجهة المسؤولة عن إدارة المسابقات.
وأختم هنا بما كشفته هذه الرواية الكاملة والشهادة التاريخية من الرمز ورجل الدولة ورائد الرياضة “عبدالله الفيصل” عن جانب إنساني مهم في شخصيته فهو بعد مرور كل تلك السنوات الطويلة على الحادثة فلم يحمل الموقف بروح الخصومة مع نادي الاتحاد، وإنما رواه وسرد تفاصيله بروح الذكرى لأيام من حياته الرياضية ولم يفت عليه أيضاً أن يشير “بروح الطرافة” إلى ما فعله صديقه الاتحادي محمد حسين اصفهاني باعتباره “المتورط في الاحتجاج” والهارب إلى القاهرة بعد إشعال النار.




