المقالات

من سيعرف قيمتك؟

ينطلق الإنسان في رحلة الحياة ساعيًا إلى بلوغ أعلى درجات الطموح، وتحقيق ذاته، والوصول إلى الأهداف التي خطط لها وعمل من أجلها سنوات طويلة. وحين يقترب من تلك الغاية، يبرز في ذهنه سؤال يتكرر كلما تقدم به العمر وتراكمت خبراته وإنجازاته:

من سيعرف قيمتي؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه ليست كذلك. فهو يلح على الإنسان خصوصًا عندما يغادر المناصب، وتنتهي حياته الوظيفية، ويبدأ في مراجعة ما أنجزه وما تركه من أثر. فكلما حقق الإنسان ذاته، ازدادت حاجته إلى التقدير والاعتراف بقيمته ومنجزاته. وتأتي هذه الحاجة في مرتبة متقدمة ضمن هرم الحاجات الإنسانية الذي اقترحه عالم النفس أبراهام ماسلو، حيث تمثل الحاجة إلى التقدير والاعتراف إحدى أهم الدوافع النفسية بعد تحقيق الإنجاز.

وغالبًا ما يواجه الإنسان الناجح ما يمكن تسميته بـ”أزمة الاعتراف”، فمهما استعرض إنجازاته في المناسبات واللقاءات، فإنه قد لا ينجح في إقناع بعض المتجاهلين أو المنكرين لقيمته، خاصة أولئك الذين احتفظوا له بمواقف سلبية أو فهموا بعض تصرفاته على غير حقيقتها. ويصبح الشعور بضعف التقدير أو إنكار القيمة أكثر إيلامًا عندما يصدر من الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء أو المقربين، وهنا تنطبق المقولة: “زامر الحي لا يطرب”، كما يقال أيضًا: “أجهل الناس بالعالم أهله”.

ولكي يحمي الإنسان المتميز نفسه من هذه الصدمات، ينبغي أن يهيئ عقله ونفسيته لتقبل اختلاف ردود أفعال الآخرين، وألا يجعل تقدير الناس هو المقياس الوحيد لقيمته. فمن الطبيعي أن يتمنى كل من حقق نجاحًا اجتماعيًا أو عمليًا أن يحظى بالتقدير، وأن يكون قدوة للأجيال، ومثالًا يحتذى به. ولذلك فإن من الوفاء أن يُظهر المحيطون به من أهله وأصدقائه وجيرانه وزملائه التقدير والاحترام لما قدمه، وأن يترك إنجازه أثرًا في سلوكهم وتعاملهم معه، لأن ذلك يعزز شعوره بالفخر ويجسد معنى “ترك الأثر”.

وقد تناول علماء النفس هذه المرحلة من جوانب متعددة، مؤكدين أهمية تحقيق الذات وأثرها في حياة الإنسان. يقول كورت غولدشتاين: «إن جُنوح النفس البشرية لتحقيق ذاتها على أكمل وجه ممكن يُعد الدافع الأساسي للحياة.» كما يرى كارل روجرز أن: «القوة الشافية في العلاج النفسي هي نزعة الإنسان إلى تحقيق ذاته، وتسخير إمكاناته في تفعيل كامل قدراته والتعبير عنها.»

لكن ماذا لو لم يجد الإنسان المتميز التقدير الذي ينتظره؟ وهل يستطيع تصحيح المسار؟

إن من أبرز أسباب ضعف التقدير والاعتراف التعالي، والاغترار بالسلطة أو المنصب. فكثير ممن كانوا يحيطون بالمسؤول ويشجعونه طلبًا لمصالحهم، سرعان ما يبتعدون عنه بمجرد زوال المنصب. وهنا تتجلى قيمة العلاقات الإنسانية الصادقة التي تُبنى على الاحترام والمودة، لا على المصالح والمكاسب المؤقتة.

فالمساعدة، وكسب محبة الناس، وحسن الخلق، والتواضع، كلها سلوكيات تترك أثرًا عميقًا في النفوس، وتجعل الناس يبحثون عن الشخص لذاته، لا لمنصبه، ويقدرونه لأخلاقه، لا لوجاهته، ويذكرونه بالخير لما قدمه، لا لما كان يشغله من موقع.

إنها دعوة للتفكير في الكيفية التي نصنع بها أثرًا يبقى بعد رحيل المناصب، ويجعل قيمتنا حاضرة في قلوب الناس، لأن أعظم اعتراف بالإنسان ليس ما يُقال عنه وهو في منصبه، بل ما يبقى من سيرته وأثره بعد أن يغادره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى