المقالات

فقه الطيبات… ووباء الوصاية

 

قال تعالى :﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ سورة الأعراف: 31.
لعل هذه الآية الكريمة تختصر فلسفة الغذاء في الإسلام؛ فهي تدعو إلى الاعتدال، وتنهى عن الإسراف، دون أن تجعل من نوعٍ معين من الطعام منهجًا ملزمًا للناس جميعًا. غير أن ما نشهده اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي يكشف أن القضية تجاوزت حدود الغذاء، لتتحول عند البعض إلى حالة من الوصاية الفكرية والغذائية، وكأن الحقيقة لم تعد تُعرف إلا من خلال تجارب الأفراد.
في الماضي كان الناس إذا مرضوا قصدوا الطبيب، أما اليوم فيبدو أن الطبيب هو من يحتاج إلى موعد مع أحد مشاهير “الطيبات” ليتعرف على آخر المستجدات!
ففي غضون أشهر قليلة، خرج علينا جيش من الخبراء، لا يحمل معظمهم شهادة في الطب، ولا في التغذية، لكنهم يتحدثون بثقة تجعل المرء يشك أن كليات الطب أمضت عشرات السنين تدرّس أشياء لا لزوم لها!
والعجيب أن نظام “الطيبات” لم يعد مجرد خيار غذائي، بل تحول إلى عقيدة لا تقبل النقاش. فإن قلت: “قد يناسب بعض الناس ولا يناسب آخرين”، نظروا إليك وكأنك أنكرت قانون الجاذبية، وإن استشهدت برأي طبيب، جاءك الرد سريعًا: “الأطباء لا يريدونك أن تعرف الحقيقة!”
ولذلك لم يعد الخلاف يدور حول أفضل مطعم، أو ألذ طبق، أو أجود قهوة، كما كان في السابق؛ بل ارتقى إلى مستوى أعلى، إذ أصبح يدور حول ما يجوز أن تأكله، وما ينبغي أن تتوب منه قبل أن يصل إلى معدتك!
لم يعد “نظام الطيبات” عند بعض المتحمسين مجرد خيار غذائي، بل تحول إلى ما يشبه المذهب الذي له أنصاره، وخطباؤه، وفقهاؤه، وكل يوم يظهر علينا أحدهم بوجه الواثق ليعلن اكتشافًا جديدًا، حتى يخيل إليك أن كليات الطب أمضت عشرات السنين تدرّس تفاصيل لا قيمة لها، وأن الحقيقة كلها كانت تنتظر مقطعًا لا يتجاوز الدقيقة على إحدى منصات التواصل.
ولست هنا بصدد محاكمة هذا النظام أو الدفاع عنه؛ فذلك شأن الأطباء والباحثين، وهم أولى الناس بالحديث في هذا الميدان. كما أن من الإنصاف الاعتراف بأن بعض الأنظمة الغذائية قد تحقق نتائج جيدة مع أشخاص بعينهم، بينما قد لا تناسب غيرهم، تبعًا لاختلاف الأعمار، والحالات الصحية، والاحتياجات الطبية.
لكن المشكلة ليست في النظام… بل في وباء الوصاية، ذلك الوباء الذي يجعل التجربة الشخصية قانونًا عامًا، والنتيجة الفردية حقيقةً لا تقبل النقاش، ومنشورًا في وسائل التواصل يُقدَّم أحيانًا على رأي الطبيب، بل وعلى ما استقر عليه البحث العلمي.
شخصيًا، لا يعنيني ماذا يأكل الناس، ولا أشعر بحاجة إلى مراقبة أطباقهم أو عدِّ سعراتهم أو محاسبتهم على لقمة خبز أو قطعة فاكهة. لكل إنسان ظروفه الصحية، ولكل جسد احتياجاته، وما يصلح لواحد قد لا يصلح لآخر.
لكن الذي يثير الدهشة هو هذا الحرص العجيب لدى بعض المتصدرين على إثبات أنهم وجدوا الحقيقة المطلقة، وأن كل من لم يسلك طريقهم ما زال يعيش في ضلال غذائي مبين!
تراهم يتحدثون بثقة تجعل الطبيب يبدو وكأنه يحتاج إلى دورة تدريبية عند أحد المؤثرين، وكأن سنوات الدراسة، والأبحاث، والتجارب السريرية، يمكن اختصارها في عبارة: “جرّب ولن تندم!”
وكأني بهم يعملون بالمثل الشعبي المتداول بصيغته المحرَّفة: “اسأل مجربًا ولا تسأل طبيبًا”، بينما الرواية الأقرب للصواب هي: “اسأل مجربًا ولا تنسَ الطبيب.” وبين العبارتين فرقٌ كبير؛ فالأولى تُقصي أهل الاختصاص، أما الثانية فتجمع بين الاستفادة من التجربة والرجوع إلى العلم.
ولو أن الأمر اقتصر على نقل تجربة شخصية لهان الخطب، فالتجارب الإنسانية تثري المعرفة، وتفتح أبوابًا للتأمل. أما أن تتحول التجربة إلى وصاية، والاختلاف إلى جريمة، والعلم إلى خصم، فهنا تبدأ المشكلة.
لقد علّمنا الطب أن الإنسان ليس قالبًا واحدًا، وأن العلاج لا يُكتب بالهتافات، ولا تُبنى التوصيات الصحية على عدد المشاهدات والإعجابات، بل على الدليل العلمي، والفحص، ومعرفة حالة كل مريض على حدة.
ولعل أخطر ما تصنعه موجات التصدّر أنها لا تكتفي بتسويق فكرة، بل تزرع الشك في أهل الاختصاص، حتى أصبح بعض الناس يستشير هاتفه قبل أن يستشير طبيبه، ويثق في صانع محتوى أكثر مما يثق في سنوات من العلم والخبرة.
ليس المطلوب أن نتخلى عن التجارب، ولا أن نرفض كل جديد، وإنما أن نضع كل شيء في موضعه؛ فالتجربة تُحترم، لكنها لا تُعمَّم، والطبيب يُناقَش، لكنه لا يُهمَّش، والعلم يُطوَّر، لكنه لا يُستبدل بالانطباعات.
ويبقى السؤال: متى ندرك أن الصحة ليست ساحةً للمزايدات، وأن الاعتدال الذي دعا إليه القرآن الكريم أوسع حكمةً من أن يُختزل في قائمة طعام، أو في وصفة يروّج لها متصدر جديد كل أسبوع؟
فربما كان أخطر ما نأكله اليوم… ليس ما في أطباقنا، بل ما يُقدَّم لعقولنا من يقينٍ لا يستند إلى علم.

همزة وصل :

أخشى أن نستيقظ يومًا لنجد تخصصات الطب قد اختُزلت كلها في عبارة واحدة: “تابعني… وسأخبرك ماذا تأكل!”
حتى ذلك الحين، سيظل الطب علمًا يُبنى على الدليل، وستظل وسائل التواصل مكانًا رائعًا لتبادل التجارب، لا لاستبدال كليات الطب… مهما ارتفع الضجيج.!

جمعان البشيري

كاتب و محرر صحفي - جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى