مع تواجد أدوات التصوير ووسائل النشر المتعددة ، وخصوصًا ما قد يُظهر الحدث والشخص والحفلة بشكل حسن من وجهة نظر البعض ، حيث أصبح معظم الناس ينقل الصورة بألوان غير حقيقية ” مفلترة ” ولامعة .
ما علينا :
الذي لا شك فيه أن الكثير والكثير من الناس- والحمدلله – لا زالوا يمضون في الدروب الجميلة التي تعودوها منذ الصغر ،وتشربوها من تعاليم وأهداب الدين الإسلامي ومن والديهم ومجتمعم المزدانة بالقيم والعادات الحميدة ، فأينما حلّوا حلت معهم السكينة والهدوء وسهولة التعامل ذلك أنهم لا يهتمون بما يُنشر ولا يسعون لذلك، ديدنهم تقديم كل أعمالهم الدنيوية محفوفة برضا المولى عز وجل فلا يضرهم قدح قادح ولا يزيدهم مدح مادح .
وفي ظل تهافت بعض الناس وركضهم نحو ملتقيات اجتماعية ” شعبية” مكتنزة بالجديد” المزيّف” من صفصفة الكلام والمدح ” الزائد عن حده ”
فقد أصبح عدد من الفئام اليوم ـ مع الأسف ـ يطلقون عبارات المدح والثناء ويكيلونها( بالمد إن جاز التعبير ) حتى لو كانت غير صائبة وفي غير محلها ، سواءً كلمات معدّة ومعادة ،أو قصائد مدفوعة الثمن ، أو لمجرد المشاركة ، ناسين أن مثل هذا التصرف قد يؤثرعلى إخلاص الممدوح ..!
وهذا لا يعني عدم الثناء المعتدل ، والمجاملة التي لا تُعمي عن رؤية المشهد بوضوح .
الشكر على جودة الأداء وحُسن التعامل مطلوب ،والثناء مهم ،والمدح المقبول المعقول ضرورة للصغير وولكبير على حدٍ سواء .
في علم التربية وخاصة المعنيين بالسلوك يقولون : نحن نحاكم السلوك ولا نحاكم الشخص .
ما أعنيه هنا ما يحدث من بعض المستفيدين أو ممن يريدون الوصول لشيء ما ( ولو للظهور فقط) ، حينها تجد بعضهم يتجه بحديثه وقلبه وقالبه نحو ما يراد الاستفادة منه .. !
وهو في هذه الحالة يخالف قوانين التربية والمبادئ والقيم التي تحث على الصدق في القول والعمل ،فيتحول بكل جهده إلى مقولة : اللي تكسب به ،العب به .
أعود إلى العنوان فأقول كما يقول كل الناس:
الشمس لا تحجب بغربال ،وهذا المثل يقال عندما تكون الحقائق دامغة والصورة واضحة ، وأزيد والمعدن أصيل .
فالتلميع عندئذ لا يلزمه أن يكون ساطعا ، وليس كما يفعل بعض هواة النظافة الزائدة والمُبالغ فيها في تزيين مركباتهم وحاجياتهم ،لأنهم بهذا السلوك قد يغرروا بشخص أو أشخاص عندما يودون تمرير مركبتهم أو مبانيهم للبيع ،فيقع في فخ تصرفهم هذا أهل النوايا الطيبة .
وبالمثل يحدث في تلميع بعض الأشخاص ،فالخاطب يريد أن يكون هو صاحب الحظوة ، والمخطوبة تريد أن تكون صاحبة الفخامة، بينما الصحيح أن توضح كل الأمور من قبل الطرفين وأهاليهم سعيًا للمصداقية منذ البداية ،وطلبًا ورجاء من المولى لهم حياة سعيدة .
وحتى مدير الجهة ( أي جهة ) في أي مكان ،لا يخلو من التلميع فبعض الموظفين المتزلفين يرى في مديره طوق النجاة ـ بعد الله ـ في حال وفق في تقربه من ذلك المدير فحتما سيصل لمبتغاه وترتفع لديه هرمونات السعادة ،” وإن أضر بغيره” وتزداد عبارات المدح الكاذبة ( وتشتغل عين الرضا )..
الغريب أنهما يعرفان أن ما قِيل وما عُمل وما لُمّع في غير محله ،لكنهما قد يتعايشان وتستمر الظروف ويستمر التواصل بينهما لتحيق مصالح شخصية أو لدفع ضرر ما ، وأسهلها ( ريح دماغك)، وإذا ما انتهت فترة العمل بينهما لسبب أو لآخر تجد كل منهما قد لا يلقي التحية على صاحبه ، وإن تقابلا قد يكون السلام من بعيد ، “صلى لأمر كان يقصده” عَجَب أمر كهذا !!
نعم : نبحث عن الأنموذج ونشيد بسلوكه وهذا أمر محمود ، فنقول عمل كذا وقام بكذا،ونثني على مواطن التميز وأصحابه ، أما أن نطلق كل عبارات المدح والتلميع جزافًا ،فإن هذا قد يضر أكثر مما ينفع ،والحوادث والشواهد في الحياة للعيان واضحة.
قال صلى الله عليه وسلم لما حدثه أن رجلا ذكر عند النبي فأثنى عليه رجل خيرا فقال عليه الصلاة والسلام( ويحك ، ويحك ، ويحك قطعت عنق صاحبك) ،يقوله مراراً (إن كان أحدكم مادحا لامحالة) فليقل: أحسب كذا وكذا، ولا يزكي على الله أحد) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإسلام أوصى بالاعتدال في كل شيء ،وكرّه في التباهي والتكلف الزائد ، ونبذ المبالغة في كل الأمور ، لأن المدح الزائد قد يزهق حقا أو يظهر باطلا .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( .. احثوا في وجوه المداحين) صيغة المبالغة ـ المداحين -. ولهذا التوسط دوما كان ولازال ثوب الفضيلة الجميل.
المريح للنفس رغم كثرة البهرجة ،أنه لازال كثير من الناس يجعلون ” التوسط في الأمور” في مبتدأ وخبر القول ” وخير الأمور أوسطها “.
اللهم لا تجعلنا من الذين قلت فيهم ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) .
على أية حال: الحد من التصرفات المُبالغ فيها والأقوال والأشعار وتخفيف الوقوف على المنصات من واحبات ذوي الجاه والمال ومن له كلمة مسموعة، وخطباء المساجد ،والإعلام المتزن، حيث أن رفضهم لها سيمنع انتشارها ويخفف المبالغات في كل المناسبات ،بل ويضع الأمور في نصابها .






