أخبار العالمFrom makkah to the worldتحقيقات وتقارير

بندر القحطاني يقرأ دور التطوع والمسؤولية الاجتماعية في تحقيق الهدف السابع عشر

من المشاركة إلى صناعة الأثر

جاءت فعالية المملكة المصاحبة للمنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026، بعنوان «الاحتفاء بأثر التطوع: قيادة الشباب ودفع أهداف التنمية المستدامة من خلال العمل المناخي»، لتؤكد أن العمل التطوعي لم يعد نشاطًا مجتمعيًا هامشيًا، بل أصبح إحدى الأدوات العملية لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

وتتقاطع هذه الرسالة مباشرة مع الهدف السابع عشر، الذي يقوم على بناء الشراكات وتكامل أدوار الحكومة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي والمجتمع. ومن واقع خبرتي في إدارة التطوع والمسؤولية الاجتماعية، أرى أن التحدي الحقيقي ليس في زيادة عدد المبادرات، بل في تحويل التطوع من نشاط موسمي إلى عمل مؤسسي ينتج أثرًا يمكن قياسه واستدامته.

التطوع المستدام يبدأ من احتياجات المجتمع

إن الانتقال من الفعاليات المؤقتة إلى البرامج التطوعية المؤسسية يبدأ بتحديد القضايا المجتمعية ذات الأولوية. فلا يكفي أن تنفذ الجهة مبادرة ناجحة من حيث التنظيم أو عدد المشاركين، إذا لم تكن مرتبطة بحاجة فعلية أو نتيجة تنموية واضحة.

ومن هنا، فإن بناء برنامج تطوعي مستدام يتطلب أربعة عناصر رئيسة:

  1. تحديد الأولويات: الانطلاق من احتياجات المجتمع الفعلية والقضايا الأكثر تأثيرًا، وربطها بأهداف التنمية المستدامة.
  2. تصميم برامج مستمرة: إعداد برامج تمتد على مدار العام، ولها مؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس.
  3. تمكين المتطوعين: تدريبهم وتحديد أدوارهم ومسؤولياتهم، حتى يصبح التطوع ممارسة نوعية، لا مجرد مشاركة عددية.
  4. المواءمة المؤسسية: ربط البرامج التطوعية باستراتيجية الجهة وخططها التشغيلية، وبناء شراكات تضمن استمراريتها.

وبذلك يصبح العمل التطوعي جزءًا من التخطيط المؤسسي، وليس نشاطًا منفصلًا يُنفذ في المناسبات فقط.

المسؤولية الاجتماعية ليست تمويلًا فقط

أكدت مناقشات المنتدى أن تحقيق أهداف التنمية لا يمكن أن تقوم به الحكومات بمفردها، وأن القطاع الخاص والمجتمع المدني والشباب شركاء أساسيون في التنفيذ.

وأرى أن هذا التوجه يتطلب إعادة تعريف المسؤولية الاجتماعية داخل الشركات. فالمسؤولية الاجتماعية لا ينبغي أن تقتصر على التمويل أو الرعاية أو الظهور الإعلامي، بل يجب أن تنتقل الشركة من دور الداعم إلى دور الشريك في صناعة الحلول.

ويتحقق ذلك من خلال:

  • تمكين الموظفين من المشاركة في برامج تطوعية نوعية ومنظمة.
  • تصميم المبادرات بالشراكة مع منظمات غير ربحية متخصصة.
  • إشراك الشباب في ابتكار الحلول وتنفيذها وتقييمها.
  • توجيه برامج المسؤولية الاجتماعية نحو قضايا مجتمعية حقيقية.
  • قياس النتائج بدل الاكتفاء بعرض حجم الإنفاق أو عدد الفعاليات.

عندما تشارك الشركة بموظفيها وخبراتها ومواردها وشبكاتها، تتحول المسؤولية الاجتماعية من مساهمة مالية مؤقتة إلى شراكة تنموية تحقق أثرًا مستدامًا.

عدد المتطوعين لا يثبت الأثر

من أكثر القضايا التي تحتاج إلى مراجعة طريقة قياس نجاح البرامج التطوعية. فعدد المتطوعين والساعات التطوعية مؤشرات مهمة، لكنها تقيس حجم النشاط، ولا تجيب عن السؤال الأهم:

ما الذي تغير في حياة المستفيدين أو في المجتمع نتيجة البرنامج؟

ومن وجهة نظري، يجب أن يقوم قياس الأثر على أربعة مستويات:

التغيير المحقق

هل أسهم البرنامج في تحسين خدمة، أو تغيير سلوك، أو معالجة مشكلة، أو بناء قدرة جديدة لدى المستفيدين؟

جودة النتائج واستدامتها

هل استمر أثر المبادرة بعد انتهائها؟ وهل عالجت المشكلة أو خففت منها بصورة قابلة للاستمرار؟

كفاءة الاستثمار

ما تكلفة تحقيق النتيجة؟ وما القيمة الاجتماعية الناتجة عن الموارد والوقت والجهد المبذول؟

الشفافية

هل أصدرت الجهة تقريرًا واضحًا يتضمن مؤشرات موثقة، ونتائج قابلة للتحقق، وقصص أثر تعكس التغيير الفعلي؟

فالانتقال من عدّ المشاركين إلى قياس التغيير هو ما يجعل التطوع والمسؤولية الاجتماعية أداتين حقيقيتين للتنمية.

الشباب شركاء في القيادة لا مجرد منفذين

تحمل الفعالية السعودية رسالة مهمة تتمثل في الانتقال بالشباب من المشاركة في المبادرات إلى قيادتها والمساهمة في اتخاذ القرار.

ولا يتحقق ذلك بمجرد تكليف الشباب بتنفيذ المهام، بل من خلال:

  • تدريبهم على القيادة وإدارة المبادرات والفرق.
  • منحهم صلاحيات ومسؤوليات حقيقية.
  • إشراكهم في تحديد الأولويات وتصميم البرامج.
  • تمكينهم من تقييم النتائج واقتراح التحسينات.
  • توفير حاضنات ومنصات تحول أفكارهم إلى مبادرات قابلة للتنفيذ والتوسع.

إن الشباب هم الأقرب إلى فهم التحديات التي تواجه جيلهم ومجتمعاتهم، ولذلك فإن مشاركتهم في التخطيط وصناعة القرار تمنح المبادرات قدرًا أكبر من الواقعية والابتكار.

ماذا تعني مخرجات المنتدى للجهات السعودية؟

تكشف مخرجات المنتدى والفعالية السعودية أن المرحلة المقبلة تتطلب من الجهات الانتقال في أربعة اتجاهات:

  • من المبادرة الموسمية إلى البرنامج المؤسسي المستدام.
  • من تمويل النشاط إلى الشراكة في تصميم الحلول.
  • من قياس الساعات والأعداد إلى قياس التغيير والأثر.
  • من مشاركة الشباب في التنفيذ إلى تمكينهم من القيادة وصناعة القرار.

وهذه التحولات لا تحتاج فقط إلى موارد مالية، بل إلى حوكمة واضحة، وبيانات دقيقة، وشراكات فاعلة، وقدرات مؤسسية تستطيع التخطيط والتنفيذ والقياس والتحسين.

خلاصة القراءة

أرى أن القيمة الأساسية للهدف السابع عشر تكمن في تحويل الشراكة من مفهوم عام إلى نموذج عمل يجمع الموارد والخبرات حول قضية مجتمعية محددة.

وفي هذا النموذج، يصبح التطوع أداة للتنفيذ، وتتحول المسؤولية الاجتماعية إلى شراكة تنموية، ويصبح الشباب قادة للحلول، فيما يقاس النجاح بحجم التغيير الذي تحقق، لا بعدد الفعاليات التي نُفذت.

عندما يصبح التطوع جزءًا من التخطيط المؤسسي، وتنتقل المسؤولية الاجتماعية من التمويل إلى صناعة الحلول، ويتحول الشباب من منفذين إلى قادة، تصبح الشراكات التي يدعو إليها الهدف السابع عشر أثرًا ملموسًا ومستدامًا في المجتمع.

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى