
يرى الدكتور عبدالرحمن المهيدب أن مخرجات المنتدى السياسي رفيع المستوى حول الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة لا ينبغي قراءتها فقط بوصفها دعوة إلى توسيع الصناعة والابتكار والبنية التحتية الرقمية، بل باعتبارها تنبيهًا إلى تحول أعمق في بنية الاقتصاد العالمي؛ إذ أصبحت قدرة الدول على امتلاك البيانات والحوسبة والنماذج الذكية عاملًا حاسمًا في استقلالها الاقتصادي والصناعي.
ويؤكد المهيدب أن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو انقسام رقمي جديد، بين دول تمتلك التقنيات والمنصات والبنية الحاسوبية، ودول تعتمد على هذه المنظومات في تشغيل قطاعاتها الحيوية، بما قد يحول التبعية التقنية إلى تبعية اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى.
ومن هذا المنطلق، يقرأ المهيدب المعرض السعودي المصاحب للمنتدى السياسي رفيع المستوى بوصفه مساحة لإظهار التحول الذي تقوده المملكة من استخدام التقنية إلى بناء قدرة وطنية تمتلك أدواتها الرقمية، وتحمي بياناتها، وتربط الابتكار بالسيادة والاستدامة الصناعية.
فجوة عالمية تتجاوز الوصول إلى التقنية
يقول المهيدب إن الفجوة التي كشفتها مخرجات الأمم المتحدة لم تعد تقتصر على تفاوت الوصول إلى الإنترنت أو الخدمات الرقمية، بل أصبحت فجوة في القدرة على إنتاج التقنية والتحكم فيها.
وبحسب قراءته، فإن توسع الاقتصاد العالمي في استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن جميع الدول تستفيد منه بصورة متساوية؛ فالدول التي لا تمتلك قدرات حوسبة محلية، أو بنية وطنية لحفظ البيانات وتشغيل النماذج، قد تجد نفسها معتمدة بصورة متزايدة على منصات كبرى تعمل من ولايات قانونية خارج حدودها.
ويرى المهيدب أن هذا الاعتماد لا يمثل مشكلة تقنية فحسب، بل قد يتحول إلى خطر على استمرارية القطاعات الصناعية، وعلى حماية الملكية الفكرية، وعلى قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة في أوقات الأزمات أو اضطراب سلاسل الإمداد التقنية.
ما الذي يضيفه الكاتب السعودي إلى مخرجات المنتدى؟
يرى المهيدب أن توصية الأمم المتحدة باعتبار البيانات والأنظمة الرقمية بنية تحتية استراتيجية تمثل نقطة تحول مهمة، لكنها لا تكتمل من دون ربطها بمفهوم السيادة.
ويشرح أن امتلاك كميات ضخمة من البيانات لا يكفي إذا كانت معالجتها وتشغيلها وتحليلها تعتمد بصورة كاملة على بنى خارجية. كما أن إنشاء منصات رقمية وطنية لا يضمن الاستقلال التقني إذا كانت النماذج والخوارزميات التي تديرها غير خاضعة لسيطرة وطنية واضحة.
ومن هنا يطرح المهيدب مفهوم الذكاء السيادي، الذي يقوم على امتلاك الدولة أو سيطرتها الفعلية على العناصر الأساسية للمنظومة الذكية، وتشمل:
- البيانات الوطنية.
- القدرة الحاسوبية.
- النماذج والخوارزميات.
- البنية التحتية السحابية.
- معايير التشفير.
- الحوكمة والمساءلة.
- الحماية السيبرانية.
ويؤكد أن الذكاء السيادي لا يعني الانغلاق عن الشركات والتقنيات العالمية، بل يعني أن تدخل الدولة في الشراكات الدولية من موقع يمتلك القدرة على الاختيار والتفاوض، وليس من موقع الاعتماد الكامل.
المملكة استبقت التحول نحو البنية التحتية الإدراكية
يرى المهيدب أن المملكة العربية السعودية تحركت مبكرًا نحو بناء ما يسميه البنية التحتية الإدراكية؛ وهي المنظومة التي تتكامل فيها البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي لدعم القرار الوطني وإدارة الموارد ورفع كفاءة القطاعات.
ويشير في قراءته إلى أن التعامل مع البيانات الوطنية بوصفها أصلًا استراتيجيًا، إلى جانب التوسع في مراكز البيانات والبنية الحاسوبية، يعكس انتقال المملكة من مرحلة تخزين البيانات إلى مرحلة تحويلها إلى قدرة وطنية على التنبؤ والتخطيط واتخاذ القرار.
ويؤكد المهيدب أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن فقط في تسريع الخدمات، بل في قدرتها على حماية مشروعات رؤية السعودية 2030 من التقلبات الخارجية، وضمان استمرار القطاعات الحيوية في العمل ضمن بيئة رقمية وطنية آمنة.
المعرض السعودي يكشف البنية غير المرئية للاستدامة
يقرأ المهيدب معرض «تعزيز الاستدامة في المملكة العربية السعودية» باعتباره عرضًا للنتائج الظاهرة للتحول الوطني، لكنه يرى أن القيمة الأكبر تكمن في البنية غير المرئية التي تقف خلف هذه النتائج.
فالمبادرات الصناعية واللوجستية والتنموية التي يعرضها الجناح السعودي، بحسب المهيدب، لا يمكن أن تعمل بصورة مستدامة من دون بيانات وطنية موثوقة، وأنظمة مترابطة، وقدرات تحليلية، وبنية حاسوبية آمنة.
ويرى أن المعرض يقدم صورة عن الإنجازات، بينما يكشف مفهوم الذكاء السيادي كيف تُحمى هذه الإنجازات وكيف تستمر قيمتها بعد انتهاء البرامج والمبادرات.
ويضيف أن المملكة لا تعرض فقط ما حققته في مسار أهداف التنمية المستدامة، بل تعرض نموذجًا يقوم على تحويل التقنية إلى بنية تشغيلية تدعم الصناعة والابتكار والتخطيط وصناعة القرار.
الأمن السيبراني ليس تكلفة إضافية
يحذر المهيدب من النظر إلى الأمن السيبراني باعتباره وظيفة تقنية مساندة أو مركز تكلفة داخل المنشآت الصناعية.
ويرى أن الأمن السيبراني أصبح أداة لحماية الأصول الاقتصادية، والملكية الفكرية، والاستثمارات الصناعية، واستمرارية الإنتاج. وكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المصانع وسلاسل الإمداد والطاقة والخدمات اللوجستية، ارتفعت قيمة البيانات وارتفع معها حجم المخاطر.
ويؤكد أن إدخال نماذج الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات الصناعية الحساسة من دون اختبارات أمنية صارمة قد يعرض هذه القطاعات لمخاطر تشمل تسرب البيانات، أو التلاعب بالنماذج، أو تسميم مجموعات البيانات، أو اختراق سلاسل التوريد التقنية.
ولهذا يدعو المهيدب إلى الانتقال من الأمن التفاعلي، الذي يتحرك بعد وقوع الاختراق، إلى الأمن الاستباقي المبني داخل تصميم النظام منذ البداية.
الثقة المعدومة أساس للمنظومات الصناعية
يقترح المهيدب تطبيق معماريات الثقة المعدومة «Zero Trust» في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي، بحيث لا يُمنح أي مستخدم أو جهاز أو نموذج ثقة تلقائية داخل المنظومة.
ويشرح أن كل عملية دخول أو تبادل للبيانات يجب أن تخضع للتحقق والمصادقة، بصرف النظر عما إذا كانت العملية تتم من داخل المنشأة أو خارجها.
ويرى أن هذا النموذج أصبح ضروريًا مع توسع المصانع والمنشآت في استخدام الأجهزة المتصلة والنماذج الذكية والمنصات السحابية، لأن الدفاعات التقليدية المبنية على حماية حدود الشبكة لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الحديثة.
النماذج المحلية لحماية البيانات الصناعية
يدعو المهيدب إلى تطوير نماذج لغوية صغيرة ومتخصصة تعمل داخل البيئات الوطنية والمؤسسية، بدل إرسال البيانات الصناعية الحساسة إلى نماذج عامة خارجية.
ويرى أن النماذج اللغوية الصغيرة يمكن تدريبها على احتياجات قطاعات محددة، مثل الطاقة والتصنيع والنقل والخدمات اللوجستية، مع إبقاء البيانات داخل البيئة المحلية.
ويؤكد أن هذا المسار يسمح للمنشآت السعودية بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي، من دون التضحية بسرية البيانات أو الملكية الفكرية أو الأسرار الصناعية.
كما يشير إلى إمكانية استخدام تقنيات التوليد المعزز بالاسترجاع، بما يسمح للنماذج بالوصول إلى قواعد معرفية محددة وموثوقة، دون الحاجة إلى نقل كامل البيانات إلى بيئات خارجية.
المنشآت الصغيرة قد تكون قوة أو ثغرة
يلفت المهيدب إلى أن دمج المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة الصناعية يمثل فرصة مهمة لتحقيق الهدف التاسع، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح ثغرات جديدة إذا لم تكن هذه المنشآت مؤهلة سيبرانيًا.
ويرى أن المنشأة الصغيرة المتصلة بمنظومة صناعية كبرى يمكن أن تصبح نقطة دخول إلى البيانات أو الأنظمة الحساسة، حتى لو كانت الجهة الكبرى تمتلك مستويات متقدمة من الحماية.
ولهذا يقترح المهيدب ألا يقتصر دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة على التمويل أو التوسع التجاري، بل يجب أن يشمل بناء قدرتها على حماية البيانات، وإدارة الهوية الرقمية، وتأمين الأنظمة، والاستجابة للحوادث السيبرانية.
ثلاث مبادرات يقترحها المهيدب
أولًا: ربط التمويل بالمرونة السيبرانية
يقترح المهيدب ربط برامج تمويل وتسريع المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة بمعايير أساسية وقابلة للقياس في الأمن السيبراني.
ويرى أن ضخ التمويل من دون رفع مستوى الحماية قد يؤدي إلى توسيع منشآت غير جاهزة للدخول في سلاسل الإمداد الوطنية، بما يزيد من المخاطر على المنظومة الصناعية بأكملها.
ولا يقصد المهيدب حرمان المنشآت من التمويل، بل استخدام التمويل أداة لرفع جاهزيتها التقنية والأمنية بالتوازي مع نموها الاقتصادي.
ثانيًا: تأسيس بيئة اختبار سيادية
يدعو المهيدب إلى إنشاء بيئة اختبار سيادية آمنة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي.
ويرى أن أي نموذج ذكي سيعمل داخل منشأة حساسة يجب أن يخضع لاختبارات ضغط واختبارات عدائية قبل السماح له بالوصول إلى البيانات أو الأنظمة الوطنية.
وتهدف هذه البيئة، بحسب المهيدب، إلى التحقق من قدرة النموذج على حماية البيانات، ومقاومة محاولات التلاعب، والتأكد من عدم وجود ثغرات قد تسمح بتسريب المعلومات أو تعطيل العمليات.
ثالثًا: هندسة ذكاء اصطناعي مبنية على المخاطر
يقترح المهيدب إلزام الموردين والمشغلين في المشروعات الصناعية الكبرى بإثبات أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لديهم صُممت وفق منهجية قائمة على المخاطر.
ويشمل ذلك، وفق رؤيته، حوكمة البيانات، والمساءلة الخوارزمية، ووضوح المسؤوليات، واختبار النماذج، وحماية المعلومات، قبل منح أي نظام صلاحية الوصول إلى البيانات الوطنية الحساسة.
الرسالة السعودية لما بعد 2030
يخلص المهيدب إلى أن تحقيق الهدف التاسع لا ينبغي أن يُقاس بعدد المنصات أو التطبيقات الذكية التي تتبناها الدولة، بل بمدى قدرتها على الاحتفاظ بالسيطرة على منظومتها الرقمية.
ويرى أن المرحلة المقبلة ستكشف الفارق بين الدول التي تستخدم الذكاء الاصطناعي كخدمة، والدول التي تبنيه بوصفه قدرة وطنية مستدامة.
ومن خلال هذه القراءة، يقدم المهيدب المعرض السعودي المصاحب للمنتدى بوصفه دليلًا على انتقال المملكة من مرحلة تبني الحلول التقنية إلى مرحلة بناء منظومة وطنية تربط البيانات بالصناعة، والابتكار بالأمن، والاستدامة بالسيادة.
ويؤكد أن مستقبل الصناعة السعودية لن تحدده فقط المصانع والموانئ والشبكات اللوجستية، بل كذلك الخوادم والنماذج والخوارزميات والبيانات التي تدير هذه الأصول.
الخلاصة
يرى الدكتور عبدالرحمن المهيدب أن مخرجات المنتدى نجحت في إعادة وضع الصناعة والابتكار والبنية التحتية في قلب أجندة التنمية المستدامة، لكنها تحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا لمخاطر التبعية التقنية.
ويؤكد أن الاستدامة الصناعية لا تتحقق بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بامتلاك القدرة على تشغيله وحوكمته وحماية بياناته.
ومن هنا يطرح الذكاء السيادي بوصفه شرطًا جديدًا لتحقيق الهدف التاسع: أن تستفيد الدولة من التقنية العالمية، مع احتفاظها بالسيطرة على بياناتها وقدرتها الحاسوبية وقرارها الخوارزمي.
وبحسب المهيدب، فإن هذا هو البعد الذي تضيفه التجربة السعودية إلى النقاش الدولي: الاستدامة لا تعني فقط أن تبني الدولة اقتصادًا ذكيًا، بل أن تضمن أن يظل ذكاء هذا الاقتصاد تحت سيادتها.






