✍️جمعان البشيري
لفت انتباهي مقال الأستاذة جواهر السلمي حول “النقحرة” بعنوان ( النقحرة .. تأملٌ حول أبعادها ) نُشر في 11- 07 – 2026 بصحيفة مكة الإلكترونية
الرابط :https://www.makkahnews.sa/5511163.html
وهو مقال يطرق بابًا لغويًا مهمًا، ويستحق أن يُستكمل بحوار علمي هادئ؛ فالقضايا اللغوية لا تزدهر إلا بتعدد الرؤى، ولا تنمو إلا بالنقاش الرصين.
لا خلاف في أن النقحرة – كما عرّفها المعجمي منير البعلبكي – ليست ترجمة، وإنما هي نقلٌ صوتي أو حرفي للكلمة من نظام كتابي إلى آخر، لتيسير نطقها أو التعرف عليها. فهي أداة إجرائية ابتكرتها الحاجة اللغوية، وليست منهجًا فكريًا أو مشروعًا ثقافيًا يحمل في ذاته أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا.
ومن هنا بدا لي أن المقال منح النقحرة حمولةً أكبر من طبيعتها؛ إذ ربط بينها وبين طمس الهوية اللغوية، مع أن العلاقة بينهما ليست على هذا القدر من المباشرة. فاللغة لا تفقد هويتها لأننا نكتب “Makkah” أو “Muhammad”، كما أنها لا تستعيد قوتها بمجرد الامتناع عن ذلك. فهذه الكتابات لا تعدو أن تكون وسيلةً تقنية تفرضها طبيعة التواصل بين أنظمة كتابية مختلفة.
إن القضية التي تستحق النقاش ليست النقحرة ذاتها، بل الممارسات اللغوية التي تجعل اللفظ الدخيل يحل محل المفردة العربية مع وجود مقابل عربي راسخ. وهنا ينبغي التفريق بين النقحرة بوصفها نقلًا صوتيًا للأعلام والأسماء والمصطلحات التي لا يُراد ترجمتها، وبين ” الاقتراض اللغوي ” وهو شيوع الألفاظ الأجنبية وتكييفها في الخطاب اليومي، وهو موضوع آخر تحكمه عوامل اجتماعية وثقافية وتعليمية وإعلامية، ولا يصح أن يُختزل في مفهوم النقحرة.
ولعل هذا التمييز ضروري؛ لأن الخلط بين المصطلحات يؤدي إلى خلطٍ في النتائج. فما نكتبه من أسماء المدن والأشخاص بحروف أجنبية يدخل في باب النقحرة، أما قولنا: ( سنتر، تلفزيون ، راديو، باص، تاكسي، ترند، بوست، براند، لايك ) مع وجود بدائل عربية، فهو أقرب إلى ظاهرة الدخيل اللغوي أو “الاقتراض اللغوي ” أو التعريب الصوتي، وهي قضية مختلفة في أسبابها وآثارها.
إن قوة اللغة لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُنقحر، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، واستيعاب العلوم، وصناعة المصطلح، وتجديد معجمها بما يواكب العصر. فاللغة الواثقة لا تخشى أدوات النقل، لأنها تدرك أن الهوية لا تسكن الحروف وحدها، بل تسكن الفكر الذي يُنتجها، والثقافة التي تمنحها الحياة.
همزة وصل :
ويبقى السؤال الأجدر بالطرح: هل المشكلة في النقحرة نفسها، أم في ضعف حضور العربية في بعض مجالات المعرفة والتقنية والإعلام؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، في تقديري، هي التي تقود إلى معالجة جوهر القضية، بعيدًا عن تحميل المصطلحات اللغوية ما لا تحتمل من أبعاد فكرية وثقافية.






