المقالات

الحوار سبيل الانتصار

سعدت كثيراً بطرح الزميل العزيز الدكتور عبدالله الغامدي في مقاله الموسوم »جدلية العقل المنتصر في بنية الفكر العرب «!حيث عرّج الكاتب على موضوع الانتصار على الآخر كأحد أبرز إشكالات الفكر العربي الذي أنه ما زال ينظر إلى الانتصار بوصفه فعلاً لا يكتمل إلا بإيقاع الهزيمة على الآخر. فبدل أن يكون النجاح قيمة مستقلة الهدف منها مصلحة الجميع يصبح رهيناً بسقوط الخصم وكأن الارتقاء لا يتحقق إلا على حساب الآخرين.

هذه الرؤية تنتمي تاريخياً إلى منطق الصراع الصفري وتستدعي ثنائيات الهيمنة التي عرفتها المجتمعات التقليدية: الغالب والمغلوب والتابع والمتبوع والعالم والجاهل. وهي ثنائيات لا تصنع حضارة، بل تعيد إنتاج دوائر الإقصاء والصراع. أما المجتمعات المتقدمة فقد تجاوزت هذا المنطق إلى ثقافة تقوم على التنافس المنتج والشراكة والاعتراف المتبادل حيث يمكن للجميع أن ينجحوا دون أن يكون نجاح أحدهم مرهوناً بهزيمة الآخر. وبنظرة سريعة إلى الموروث العربي في مختلف تجلياته نكتشف أن كثيراً من سجالاته لم تتمحور حول اكتشاف الحقيقة بقدر ما كانت تنشغل بإثبات الغلبة وفي هذا تكريس لأطر أيديولوجية منغلقة يغيب في خضمها الحوار بوصفه طريقاً لإنتاج المعرفة وبناء المشترك الإنساني وتحل بدلاً عنه أفكار إقصائية تربط الكرامة بالغلبة وتفسر الهزيمة بوصفها استلاباً للذات فتغدو الهيمنة غاية من يسعى إلى الانتصار.

ويُعدّ الصراع بين المعتزلة وأهل الحديث من أهم وأعمق الصراعات الفكرية في تاريخ الإسلام لأنه لم يكن خلافاً فقهياً فحسب بل كان خلافاً حول مصادر المعرفة الدينية وحدود العقل وطريقة فهم النصوص الشرعية. فالمعتزلة مدرسة كلامية نشأت في البصرة في القرن الثاني الهجري وجعلت العقل أداةً رئيسة في فهم العقيدة والدفاع عنها، ورأت أن النصوص التي يبدو ظاهرها متعارضاً مع البرهان العقلي القطعي يمكن أن تُحمَل على التأويل بما يرفع هذا التعارض ويحفظ التنزيه الإلهي. أما مدرسة أهل الحديث فهي اتجاهٌ علمي نشأ في القرون الإسلامية الأولى وجعل القرآن الكريم والسنة النبوية المصدرين الأساسيين في تقرير مسائل العقيدة مع الالتزام بفهم النصوص وفق ما ورد عن السلف والتحفظ على التوسع في التأويل العقلي ولا سيما في القضايا العقدية التي يرون أن مجالها التوقيف والنقل.

غير أن هذا السجال الفكري بين المعتزلة وأهل الحديث لم يبقَ في إطار الحوار العلمي بل تحوّل إلى صراع حاد امتزجت فيه الأفكار بالسياسة والمذهب وأصبح هدف كل فريق ترسيخ مرجعيته الفكرية وإثبات غلبته على الآخر. ومع تدخل السلطة السياسية المتمثلة في الخليفة المأمون آنذاك في تبني أحد الاتجاهين تجاوز الخلاف حدود البحث عن الحقيقة إلى محاولة فرض الرأي وإقصاء المخالف وهو ما جعل هذا الصراع أحد أبرز الأمثلة على تحوّل الاختلاف الفكري إلى صراع على النفوذ والشرعية.

ولكي يكون الحوار الفكري مفيداً مثمراً لا بد أن يتحرر من منطق الغلبة إلى منطق الحقيقة ومن هاجس الانتصار إلى فضيلة الفهم. فالحوار ليس منافسةً يخرج منها منتصر ومهزوم بل عملية معرفية يربح فيها الجميع بقدر ما يقتربون من الحقيقة. أما حين يصبح الهدف هو هزيمة الخصم فإن الأفكار تتحول إلى أدوات للصراع ويتراجع العقل أمام الأيديولوجيا ويُستبدل الإقناع بالإقصاء، فتضيع الحقيقة بين ضجيج الانتصارات الوهمية.

ولا شك أن التجرد هو القيمة الأخلاقية التي تمنح الحوار الفكري معناه الحقيقي الذي يقتضي أن يتحرر الإنسان من التعصب لرأيه وأن يكون مستعداً لمراجعة قناعاته متى ظهر له دليل أقوى أو حجة أرجح. فالباحث عن الحقيقة لا يجعل من أفكاره جزءًا من هويته ولا ينظر إلى تعديل موقفه بوصفه هزيمة بل يعدّه خطوة نحو مزيد من النضج المعرفي. أما السمو في الحوار الفكري فيتجلى في الارتقاء فوق نوازع الغلبة والانتصار والتعامل مع المخالف بوصفه شريكاً في رحلة البحث عن الحقيقة لا خصمًا ينبغي إسقاطه. فالحوار الراقي لا يهدف إلى كسر إرادة الآخر أو التشكيك في نواياه، وإنما إلى اختبار الأفكار وتقويمها في ضوء البرهان والدليل. ومن هنا يصبح الاعتراف بصحة رأي المخالف فضيلة علمية والرجوع إلى الحق علامة قوة فكرية لا دليل ضعف أو هزيمة.

وحين يجتمع التجرد مع السمو يتحول الحوار إلى عملية بناء معرفي مشترك تتكامل فيها العقول بدل أن تتصارع ويغدو الاختلاف مصدراً للإثراء لا سبباً للفرقة. فالحقيقة لا يحتكرها فرد ولا مذهب وإنما تتكشف عبر حوار حر تحكمه النزاهة الفكرية والاحترام المتبادل والإيمان بأن الغاية ليست الانتصار على الآخر بل الانتصار للحقيقة. وعندئذٍ لا يكون الاعتراف بوجاهة رأي المخالف هزيمةً ولا يكون الرجوع إلى الصواب انتقاصاً من الكرامة بل هو أسمى صور الأمانة العلمية وأرقى مظاهر النضج الفكري. فالحوار الراقي لا يُقاس بعدد الخصوم الذين أُسكتوا وإنما بمقدار ما أضافه إلى المعرفة وما أسهم به في تقريب وجهات النظر وإطلاق آفاق جديدة للتفكير. وحين يصبح الانتصار للحقيقة أسمى من الانتصار للنفس يتحول الاختلاف من سببٍ للانقسام إلى قوةٍ دافعةٍ للإبداع ويغدو التنوع الفكري مصدراً لثراء الحضارة وتقدمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى