مع بداية كل عام دراسيي جديد تشغلنا قضية الرسوم الدراسية في المدارس الأهلية والعالمية في رحلة تشغل أولياء الأمور بالبحث والمقارنة بين العديد من المدارس المتاحة . إلا إن السؤال الذي يتكرر دائماً ليس فقط، كم تبلغ الرسوم؟ بل إلى تساؤل اهم ، إلا وهو هل ما ندفعه من رسوم تعكس فعلاً جودة التعليم الذي يحصل عليه أبناؤنا؟
المهتم بشأن التعليم الخاص في المملكة يلاحظ تفاوتاً كبيراً في الرسوم بين مدرسة وأخرى. فهناك مدارس تقدم خدمات تعليمية برسوم مناسبة لشريحة واسعة من الأسر، وهناك مدارس أخرى تصل رسومها إلى أرقام مرتفعة جداً، حتى إن بعض الأسر تجد نفسها أمام التزام مالي يوازي في بعض الحالات تكلفة تعليم جامعي. وهذا التفاوت بحد ذاته ليس مشكلة، فاختلاف الأسعار أمر طبيعي ، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح من الصعب معرفة الأسباب الحقيقية وراء هذا الاختلاف.
لا شك أن التعليم الخاص يختلف من مدرسة إلى أخرى، وأن هناك عوامل ترفع التكلفة؛ فالمدارس التي تقدم مناهج دولية تحتاج إلى استقطاب معلمين ذوي خبرة، وتتحمل تكاليف الاعتمادات الدولية، وتوفر مرافق وتجهيزات متقدمة، كما أن تكاليف التشغيل ارتفعت في السنوات الأخيرة. وهذه أمور مفهومة، بل إن الاستثمار في جودة التعليم امرا حتمي ومطلوب .
ولذلك يجب ان ندرك ان ارتفاع الرسوم في بعض المدارس الأهلية والعالمية غير مشروط بجودة التعليم . فلندرك ليس كل مبنى براق وفخم يعني تعليماً مميزاً ، وليس كل اسم شركة تعليمية معروفة يضمن للطالب تجربة تعليمية أفضل. فلب العملية التعليمية يتمحور حول المعلم، والمنهج، وطريقة الإدارة، وقدرة المدرسة على بناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته ومواهبه .
فالمشكلة الحقيقية التي تواجه أغلبية الأهالي اليوم انهم لا يملكون دائماً معلومات كافية تساعدهم على اتخاذ القرار السليم الذي يضمن لأبناهم وبناتهم تعليماً مقروناً بجودة وانطباعية ومعايير في اختيار المعلمين والمناهج . فاختيار المدرسة غالباً يعتمد على السمعة أو توصيات الآخرين أو الانطباع العام، بينما يحتاج الأمر إلى مؤشرات أكثر وضوحاً.
ما مستوى التحصيل الدراسي؟ ما استقرار الكادر التعليمي؟ ما البرامج التي تقدمها المدرسة؟ وما الفرق الحقيقي الذي سيحصل عليه الطالب مقابل الرسوم المدفوعة؟ وللأسف اغلب المدارس عند بداية كل عام تقدم الوعود حتى يستقطع المبلغ من الحساب وبعدها تتغير إلى نوعد وان شاء الله ومن هذه العبارات .
ومن هنا تأتي أهمية الشفافية، فالمدرسة التي تطلب رسوماً أعلى من غيرها مطالبة بأن توضح القيمة التي تقدمها، وأن تجعل ولي الأمر يرى الفرق بين الرسوم ومستوى التعليم الذي يقدم ، فالأسر أصبحت اكثر وعياً وتستطيع ان ترى الأثر والتحصل الدراسي على الابناء ايجابا ام سلباً . فالأسرة لا تبحث فقط عن مقعد دراسي، بل تبحث عن بيئة تصنع مستقبلاً أفضل لأبنائها.
وفي المقابل، ينبغي ألا تقع الأسر في فخ الاعتقاد بأن الرسوم المرتفعة تعني بالضرورة تعليماً أفضل. فهناك مدارس متوسطة التكلفة استطاعت أن تحقق نجاحاً لافتاً بفضل إدارات واعية ومعلمين متميزين واهتمام حقيقي بالطالب.
من المهم أن اوضح بإن جودة التعليم لا تُشترى بالمال، بل تُبنى بثقافة مدرسية واضحة وقيادة تعليمية قادرة على صناعة الفارق .
يحضى قطاع التعليم الأهلي والعالمي في المملكة بفرصة مهمة لتطوير التعليم ورفع مستوى المنافسة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى توازن يحفظ حق المستثمر في تحقيق العائد، وحق الأسرة في الحصول على خدمة تعليمية عادلة وذات قيمة واضحة ذات أثر ملموس .
والغاية المنشودة في هذا المقال ليست ضد ارتفاع الرسوم أو المطالبة بخفضها بشكل مطلق، بل أن تكون الرسوم مرتبطة بما تقدمه المدرسة فعلياً ، فالمعيار الحقيقي ليس كم يدفع ولي الأمر، وإنما ماذا يحصل ابنه مقابل هذا المبلغ .
وعندما تصبح جودة التعليم هي العامل الأول في المنافسة، ستصبح المدارس أكثر حرصاً على تطوير مخرجاتها، وسيصبح اختيار الأسرة مبنياً على المعرفة لا على الانطباع، وسيكون المستفيد الأساسي من ذلك هو الطالب الذي سيسهم في بناء مستقبل ونماء وطنه .
واختم بطلب من الجهات المعنية بالتعليم الاهلي والأجنبي في وزارة التعليم في متابعة المدارس الأهلية والعالمية، ليس فقط من شأن الرسوم والمباني، ولكن من حيث جودة المعلمين والمعلمات وكفاءتهم، لأن المعلم هو اللبنة الأساسية في نجاح العملية التعليمية.





