المقالات

التضحية… حين يصبح الأثر جمالًا

مع إطلالة شهر صفر، نستحضر صفحاتٍ من الذاكرة الإسلامية لا تُقرأ لمجرد استعادة أحداث التاريخ، بل لاستخراج القيم التي صنعت الجيل الأول. ففي هذا الشهر وقعت مواقف عظيمة تجلت فيها معاني البذل والوفاء والتضحية، من مأساة بئر معونة، إلى حادثة الرجيع، ثم ما بقي في الذاكرة من آثار غزوة أُحد، حيث لم يكن الخلود لمن حافظ على صورته، وإنما لمن بذل نفسه في سبيل رسالته. ومن بين تلك المشاهد يبرز موقف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، الذي فقد ثنيتيه وهو ينزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار أثر التضحية في وجهه عنوانًا للجمال في أعين المؤمنين. ومن هذه الذاكرة المضيئة ينطلق هذا المقال ليتأمل معنى الجمال في الإسلام، وكيف تتحول التضحية إلى أثر خالد يزداد إشراقًا مع مرور الزمن.

ما الجمال؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه اختلفت باختلاف الحضارات والأمم. فمنذ أن عرف الإنسان نفسه وهو يفتش عن الجمال، ويقيس به قيمة الأشياء والأشخاص. فمن الناس من يراه في تناسق الملامح، ومنهم من يجده في فخامة الثياب، وآخرون يربطونه بالشباب والقوة والثراء. واليوم أصبحت صناعة التجميل من أكبر الصناعات في العالم، وتُنفق عليها مليارات الجنيهات والدولارات كل عام، حتى بدا وكأن الإنسان يحاول أن يؤخر الزمن، أو يقنع نفسه بأن الجمال لا يتجاوز حدود الصورة.

لكن الإسلام جاء ليعيد بناء هذا المفهوم من جذوره.

فهو لا ينكر جمال الصورة، بل يجعله نعمةً من نعم الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال». غير أن الإسلام يرفض أن تتحول الصورة إلى الميزان الذي توزن به قيمة الإنسان؛ لأن جمال الجسد رهين الزمن، يذبل مع السنين، ويضعف مع المرض، ويتغير مع العمر، أما جمال الروح والعمل فيزداد إشراقًا كلما مضت الأيام.

ولهذا وضع النبي صلى الله عليه وسلم المعيار الخالد حين قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». إنها ليست موعظة أخلاقية فحسب، بل إعلان عن ثورة في مفهوم الجمال. فالقيمة ليست فيما تراه العيون، وإنما فيما يحمله القلب، وليس فيما يملكه الإنسان، وإنما فيما يقدمه، وليس فيما يراه الناس، وإنما فيما يعلمه الله.

ومن هنا يصبح الجمال في الإسلام أوسع من ملامح الوجه، وأعمق من ألوان الثياب، وأبقى من كل زينة يبهت بريقها مع الأيام. فالمؤمن يرى الجمال في دمعة خرجت من خشية الله، وفي جبين اسودّ من طول السجود، وفي يدٍ خشنت من الكسب الحلال، وفي أمٍّ أنهكتها السنين وهي تربي أبناءها، وفي أبٍ أفنى عمره ليؤمن لهم حياة كريمة، وفي معلم يكرر الدرس عشرات المرات حتى يفتح الله على أحد طلابه، وفي طبيب يسهر على مرضاه، وفي داعية يتحمل الأذى حتى يهدي الله به قلبًا واحدًا. تلك صور قد لا تتصدر أغلفة المجلات، لكنها في ميزان السماء من أجمل صور الإنسان.

ولعل ذاكرة شهر صفر تدعونا إلى تأمل هذا المعنى بعمق؛ ففي هذا الشهر نستذكر بئر معونة والرجيع، ونستحضر رجالًا خرجوا دعاةً ومعلمين لا مقاتلين، فدفعوا حياتهم ثمنًا للرسالة. لم يبق من هيئاتهم شيء، لكن بقيت مواقفهم منارات تهدي الأجيال. وهكذا يعلمنا التاريخ الإسلامي أن الجسد يوارى في التراب، أما التضحية الصادقة فإنها تعيش في ضمير الأمة، وتتحول إلى جمال خالد لا يذبل.

ولعل أجمل صورة تجسد هذا المعنى ما وقع يوم أُحد. فقد أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته الشريفة، فأسرع أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه لينزعهما، ولم يجد وسيلة أسرع من أن يجذبهما بأسنانه، فسقطت ثنيتاه، وقيل: ثناياه، وهو يفعل ذلك حبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصًا عليه.

ولو كانت مقاييس الجمال هي مقاييس الدنيا، لقال الناس: لقد فقد شيئًا من جماله. لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد تربوا في مدرسة أخرى، مدرسة ترى أن التضحية لا تشوّه الإنسان، بل ترفعه، وأن الأثر الذي تصنعه المحبة الصادقة أجمل من كل زينة ظاهرية.

ولهذا قال أهل السير: «ما رُئي هَتَمٌ قط أحسن من هَتَم أبي عبيدة.» فلم يكونوا يمدحون الأسنان المفقودة، وإنما كانوا يمدحون المعنى الذي أسقطها. لقد رأوا في ذلك الفراغ قصة وفاء، وفي ذلك النقص كمالًا، وفي ذلك الألم وسام شرف. وهكذا تصنع التضحية جمالها.

وهذا هو المنهج الذي يربينا عليه القرآن الكريم؛ فهو لا يخلد صور الرجال، وإنما يخلد مواقفهم. فلا يخبرنا عن ملامح إبراهيم عليه السلام، وإنما عن استعداده لأن يقدم أحب الناس إليه امتثالًا لأمر الله. ولا يحدثنا عن هيئة موسى عليه السلام، وإنما عن شجاعته وصبره في مواجهة الطغيان. ولا يصف لنا جمال مريم عليها السلام، وإنما يحدثنا عن عفتها وطهارتها وصدقها. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختصر القرآن عظمته كلها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

إن الأخلاق في القرآن جمال، والرحمة جمال، والوفاء جمال، والصبر جمال، والإحسان جمال، والتضحية تاج هذه الأخلاق كلها.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يجعل القرآن طريق الوصول إلى أعلى مراتب البر مرتبطًا بالبذل والتضحية، فقال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. وتأمل هذا التعبير الرباني البديع؛ فلم يقل: مما تملكون، وإنما قال: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، لأن قيمة التضحية لا تُقاس بحجم ما يخرج من اليد، وإنما بمكانته في القلب.

فالإنسان قد يعطي مما استغنى عنه، وذلك فضل يؤجر عليه، لكنه لا يبلغ حقيقة التضحية إلا إذا قدم شيئًا يحبه، أو ترك أمرًا تهواه نفسه ابتغاء مرضاة الله. ولهذا كانت التضحية في الإسلام ليست خسارة، وإنما ارتقاء. إنها انتقال بالإنسان من أسر الشهوات إلى حرية الإيمان، ومن عبودية النفس إلى عبودية الله.

ومن يتأمل تاريخ هذه الأمة يدرك أن الحضارة الإسلامية لم تبنها الوفرة، وإنما بنتها التضحيات. فما من عالم أنار العقول إلا ودفع ثمن علمه من راحته، وما من معلم ربّى الأجيال إلا اقتطع من عمره ساعات لا يعلمها إلا الله، وما من أم صنعت رجالًا عظامًا إلا تركت من صحتها ووقتها ما لا يراه الناس، وما من أب حفظ أسرته إلا أخفى خلف ابتسامته همومًا وآلامًا لم يشكُها لأحد.

هذه الأعمال قد تبدو عادية في أعين الناس، لكنها عند الله من أعظم صور الجمال؛ لأنها آثار صنعتها التضحية، ولأنها تركت في الحياة خيرًا يمتد بعد أصحابها.

ولهذا مدح الله تعالى الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. إنها ليست دعوة إلى الفقر، ولا إلى إهمال النفس، وإنما دعوة إلى سمو الروح؛ أن يكون الإنسان قادرًا على أن يقدم غيره ابتغاء وجه الله، وأن ينتصر على أنانيته، فيصبح عطاؤه أكبر من رغباته.

ومن هنا نفهم سر عظمة الجيل الأول. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه جاء بماله كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: «أبقيت لهم الله ورسوله». وعمر رضي الله عنه كان ينافسه في ميادين الخير، لا في ميادين الدنيا. وعثمان رضي الله عنه جهز جيش العسرة، فاستحق شهادة النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم». ومصعب بن عمير رضي الله عنه ترك النعيم والثراء، حتى استشهد يوم أُحد ولم يجد الصحابة ما يكفي لتغطية جسده كله.

أولئك لم يخسروا شيئًا، بل ربحوا الخلود. لم تحفظ الأمة أسماءهم لأنهم كانوا أجمل الناس هيئة، ولا لأنهم كانوا أكثرهم ثراء، وإنما لأنهم كانوا أكثرهم بذلًا. وهكذا تصنع التضحية جمالها.

ولذلك عبّر القرآن عن العلاقة بين المؤمن وربه بأجمل صورة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. إنها صفقة لا مثيل لها؛ المشتري هو الله، والثمن هو الجنة، والضامن هو رب العالمين. فأي ربح أعظم من هذا الربح؟
لكن التضحية في الإسلام لا تقف عند حدود تزكية النفس أو تهذيب الفرد، وإنما تتجاوز ذلك إلى صناعة المجتمعات وبناء الحضارات. فما من أمة نهضت إلا وكان وراء نهضتها رجال ونساء آمنوا بفكرة، ثم دفعوا ثمنها من أعمارهم وأوقاتهم وراحتهم وأموالهم. فالحضارات لا تُولد في لحظات الرفاه، وإنما تولد في ساعات البذل، ولا تُبنى بالأماني، وإنما تشيدها سواعد عرفت معنى التضحية.

وهكذا تصنع التضحية جمالها.

فالعالم الذي أنار عقول الناس لم يبلغ منزلته في ليلة واحدة، وإنما أمضى سنوات طويلة بين الكتب، يقرأ حين ينام الناس، ويبحث حين ينشغل غيره باللهو، ويعيد النظر فيما كتب مرات ومرات حتى يخرج علمًا ينتفع به الناس. قد يرى الناس كتابًا على رف في مكتبة، لكنهم لا يرون الليالي التي ذابت خلف صفحاته.

والمعلم الذي يترك بصمته في نفوس طلابه لا يصنع ذلك بمحاضرة عابرة، بل بسنوات من الصبر والتكرار والإخلاص، حتى يصبح أثره ممتدًا في أجيال لم ير أكثرها قط. ورب كلمة صادقة قالها لمراهق في لحظة ضعف، غيرت مسار حياته كلها، وظلت تجري في ميزان حسناته بعد رحيله.

والأم التي يفتخر بها أبناؤها اليوم لم تبن مستقبلهم بالنصائح وحدها، وإنما بنته وهي تسهر إذا ناموا، وتجوع ليشبعوا، وتتعب ليستريحوا، وتؤثرهم على نفسها عامًا بعد عام، حتى أصبحت تضحياتها جزءًا من نجاحهم، وإن لم يذكرها أحد في احتفال أو يكتب عنها في صحيفة.

وكذلك الأب، فكثير من الناس يرون ثمرة نجاح الأسرة، ولا يرون الأحلام التي أخّرها، والرغبات التي تنازل عنها، والساعات التي قضاها في العمل، والهموم التي أخفاها خلف ابتسامة مطمئنة حتى لا يثقل بها قلوب من يحب. تلك التضحيات الصامتة هي التي تصنع البيوت المستقرة، والأجيال الواثقة، والمجتمعات المتماسكة.

ولهذا أثنى القرآن على خلق الإيثار ثناءً عظيمًا، فقال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. إنها ليست دعوة إلى إهمال النفس، وإنما دعوة إلى التحرر من عبودية الأنانية، حتى يصبح الإنسان قادرًا على أن يقدم مصلحة غيره ابتغاء وجه الله، فيسمو بروحه قبل أن يسمو بعطائه.

ثم جاء القرآن ليبين أن التضحية الحقيقية تبدأ عند الشيء الذي يحبه الإنسان، فقال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. ولم يقل: مما تملكون؛ لأن قيمة العطاء ليست في كثرته، وإنما في منزلته من القلب. فقد يعطي الإنسان ما استغنى عنه، وهذا فضل، لكنه لا يبلغ منزلة التضحية إلا إذا بذل شيئًا يحبه، أو ترك أمرًا تهواه نفسه، طلبًا لرضا الله.

ومن هنا نفهم سر عظمة الجيل الأول من هذه الأمة. فلم يكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه أغنى الصحابة، لكنه كان أعظمهم يقينًا، ولذلك جاء يومًا بماله كله، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: «أبقيت لهم الله ورسوله». ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينافس أبا بكر في متاع الدنيا، وإنما كان يتنافس معه في ميادين البذل والسبق إلى الخير.

أما عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد جسد معنى التضحية بالمال حين جهز جيش العسرة، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم». ولم يكن الذي بقي في ذاكرة الأمة عدد الدراهم التي أنفقها، وإنما الأثر الذي صنعته تلك الدراهم في حماية الدعوة ونصرة المسلمين.

ثم يأتي مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الشاب الذي كان أنعم فتيان مكة لباسًا وعطرًا، فترك النعيم كله عندما عرف طريق الإيمان. خرج من بيت الثراء إلى طريق الدعوة، ومن حياة الترف إلى حياة الجهاد، حتى استشهد يوم أُحد، ولم يجد الصحابة ما يكفي لتكفين جسده كله. خسر الدنيا، لكنه ربح الخلود في ذاكرة الأمة، لأن الله لا يخلد أصحاب القصور، وإنما يخلد أصحاب الرسالات.

وهكذا تصنع التضحية جمالها؛ فهي لا تكتب اسم صاحبها على جدار من حجر، بل تكتبه في قلوب الناس، وفي صحائف الملائكة، وفي صفحات التاريخ.
ولعل أعظم ما يميز المؤمن أنه لا يقيس حياته بعدد السنين التي عاشها، وإنما بالأثر الذي تركه. فكم من إنسان طال عمره، ولم يترك وراءه إلا اسمًا سرعان ما نسيه الناس، وكم من آخر عاش سنوات قليلة، لكنها امتلأت بالبذل، فظل حيًا في ضمير الأمة بعد قرون طويلة.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين الإيمان والعمل، لأن الإيمان الذي لا يتحول إلى تضحية يبقى دعوى، أما إذا تجسد في بذل وعطاء وصبر وثبات، فإنه يتحول إلى أثر لا يموت. ومن هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…»، فالذي يبقى ليس الجسد، وإنما العمل، وليس الصورة، وإنما الأثر.

وهكذا تصنع التضحية جمالها.

ولذلك فإن شهر صفر ليس شهر تشاؤم كما توهم بعض الناس في الجاهلية، بل هو شهر من شهور الله، نستحضر فيه صفحات مضيئة ومؤلمة من تاريخنا، لا لنبكي الماضي، وإنما لنسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من أولئك الرجال الذين قدموا دينهم على دنياهم، ورسالتهم على راحتهم، وأمتهم على مصالحهم؟ إن التاريخ لا يطالبنا بأن نكرر أحداثه، وإنما أن نستلهم قيمه، وأن نحول ذكراه إلى مشروع عمل في واقعنا.

إن أمتنا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الإعجاب بالأبطال بقدر حاجتها إلى الاقتداء بهم. تحتاج إلى معلمين يضحون بوقتهم، وآباء وأمهات يضحون من أجل أسرهم، وأطباء يرحمون مرضاهم، وشباب يقدمون أوطانهم ومجتمعاتهم على مصالحهم الضيقة، ودعاة يحملون رسالة الإسلام بالحكمة والرحمة، ورجال أعمال يجعلون من أموالهم جسورًا للخير، وعلماء يورثون العلم قبل الشهرة. فالأمم لا يغيرها المتفرجون، وإنما يغيرها أصحاب التضحيات الصامتة.

ولذلك، حين نقف أمام سيرة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، لا ينبغي أن نتوقف عند ثنيتين سقطتا، بل عند قلب امتلأ حبًا حتى لم يشعر بصوت أسنانه وهي تتهاوى. لقد سقطت الأسنان، لكن بقي الجمال. وغاب الجسد، لكن بقي الأثر. وما زالت الأمة، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، تذكر ذلك الموقف بإجلال، لأنه يعلمها أن ما يقدمه الإنسان لله لا يضيع أبدًا.

وهكذا تصنع التضحية جمالها.

إن الجمال الحقيقي ليس في وجه يخلو من التجاعيد، ولا في يد لم تعرف التعب، ولا في ثوب لم يمسه الغبار، وإنما في قلب عمره الإيمان، ونفس زكاها الإخلاص، وحياة تركت بعد رحيلها أثرًا طيبًا. فكل ندبة صنعتها الطاعة جمال، وكل تعب كان في سبيل الخير رفعة، وكل تضحية أريد بها وجه الله هي في الحقيقة زينة لا يراها أهل الأرض جميعًا، لكنها تشرق نورًا في ميزان السماء.

وتلك هي الرسالة التي تحملها إلينا ذاكرة صفر؛ أن الذين صنعوا التاريخ لم يكونوا يبحثون عن المجد لأنفسهم، وإنما عن رضا ربهم، فكتب الله لهم المجد في الدنيا، وأعد لهم ـ بإذنه ـ حسن الجزاء في الآخرة. وما أجمل أن يرحل الإنسان عن هذه الدنيا وقد ترك وراءه أثرًا صالحًا، يذكره الناس به، وتدعو له القلوب، وتبقى حسناته تجري بعد أن ينقطع عمله.

فالجمال يذبل، والثروة تزول، والمناصب تنتهي، أما التضحية الصادقة فإنها تبقى… لأنها تتحول إلى أثر، وحين يصبح الأثر جمالًا، يبدأ الخلود الحقيقي.

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى