كتاب الرأي

ما يبقيه الزمن منا

حين سُئلتُ ماذا تعلّمتُ من العمر الذي مضى، لم يكن السؤال عابراً كما تبدو الأسئلة في ظاهرها. كان وقفةً أمام مرآةٍ صبورة، انتظرت سنواتٍ طوالاً حتى أنظر فيها بصدق. فالعمر لا يُسأل عنه كما يُسأل عن طريقٍ قطعناه، بل كما يُسأل عن أثرٍ تركه فينا. وما أقسى أن يمرّ بنا الزمن دون أن نملك جواباً عمّا صنعه في معادننا.
ظننتُ طويلاً أنّ الزمن قوةٌ تأكلنا، تنزع من الوجوه نضارتها ومن الأجساد قوّتها، حتى أدركتُ أنّه ليس آكلاً بل كاشف. إنّه لا يصنع المعادن، إنّما يفضح ما كنّاه في الأصل. يمرّ على الذهب والحديد بالقسوة نفسها، وبالرطوبة نفسها، وبالغبار نفسه، فيخرج أحدهما أنصع ممّا دخل، ويخرج الآخر متهالكاً تكسوه طبقةٌ من الصدأ لم تكن سوى حقيقته المؤجّلة.
هنا تكمن العبرة التي لا يدركها إلا من جرّب, ليست العبرة في طول العمر، بل في معدن صاحبه. كم من إنسانٍ عاش قليلاً فترك ذهباً لا يصدأ، وكم من آخر عُمّر طويلاً فلم يخلّف غير الحديد المتآكل، الزمن وحده لا يصنع إنساناً، إنّما يكشف من كان الإنسان قبل أن يأتيه الزمن.
والمعدن في الإنسان ليس عضلةً ولا جسداً، إنّما هو ما رسخ فيه من قيمٍ ومبادئ، الإنسان الذهبيّ تُثبّته الشدائد ولا تزيده إلا صفاءً، تأتيه الفتنة فيردّها، ويأتيه الإغراء فيأباه، ويمرّ به الزمن فلا يجد فيه ما يبدّله. أمّا الإنسان الحديديّ فتفضحه أوّل عاصفة، يلين حين يُمتحن، ويتلوّن حين يُبتلى، حتى لا يبقى من معدنه الأوّل شيء.
وما أصدق هذا حين نتأمّله بعين الإيمان. فالابتلاء في حقيقته كاشفٌ لا صانع، كما تُمحّص النار الذهب فتزيده نقاءً ولا تفنيه. والله إذ يبتلي عباده لا يخلق فيهم معادنهم خلقاً جديداً، إنّما يُظهر ما اختزنوه في صدورهم من صدقٍ أو زيف، ومن ثباتٍ أو هشاشة. فالشدّة لا تغيّر الإنسان بقدر ما تنزع عنه الأقنعة فيظهر على ما هو عليه.
لذلك تعلّمتُ ألّا أخاف على العمر من الزمن، وإنّما أخاف على معدني أن يكون من حديدٍ يصدأ. تعلّمتُ أنّ السنوات شاهدةٌ على ما كنّا، لا قاضيةٌ علينا، وأنّ الذي معدنه ذهبٌ يبقى ذهباً مهما تقادم، والذي معدنه حديدٌ يتغيّر ويصدأ مهما تجمّل.
فإن سألك العمر يوماً ماذا تعلّمت، فلا تُجبه بعدد السنين، ولا بما جمعت من متاعٍ أو مال، بل اسأل نفسك سؤالاً واحداً: ماذا بقي منّي ثابتاً حين تغيّر كلّ شيء؟ فما يبقيه الزمن هو وحده ما يستحقّ أن نسمّيه ذهباً.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى