
تضع استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026–2030 تعميق الأثر الاقتصادي المحلي في صلب مرحلتها الجديدة، إذ لا يقتصر توجهها على ضخ الاستثمارات وإطلاق المشاريع، بل يمتد إلى بناء منظومات اقتصادية مترابطة تتيح انتقال قيمة الاستثمار إلى الشركات والموردين والقطاعات المحلية، بما يعزز نمو الاقتصاد غير النفطي ويرفع تنافسية سلاسل القيمة داخل المملكة.
ويظهر هذا التوجه بصورة مباشرة ضمن الأهداف الاستراتيجية السبعة للصندوق، حيث يستهدف تعزيز التنوع الاقتصادي ورفع نضج سلاسل القيمة من خلال التعاون الفعال مع القطاع الخاص والجهات الحكومية. وفي الوقت ذاته، ترتكز «محفظة الرؤية» على تطوير ست منظومات اقتصادية محلية متكاملة، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، إلى جانب نيوم.
وتكشف الأرقام عن حجم القيمة التي بدأت استثمارات الصندوق في توجيهها إلى الداخل؛ إذ استثمر الصندوق قرابة 750 مليار ريال محليًا في مشاريع جديدة بين 2021 و2025، فيما بلغ إنفاقه وشركات محفظته في المحتوى المحلي قرابة 590 مليار ريال خلال الفترة من 2021 إلى 2024. كما بلغت مساهمته التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي نحو 910 مليارات ريال خلال الفترة نفسها، بما يعادل قرابة 10% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي للمملكة في عام 2024.
ولا تتوقف القيمة المحلية عند حجم الإنفاق، إذ تعمل منظومة الصندوق على تحويل الطلب الناتج عن المشاريع إلى فرص أمام القطاع الخاص بوصفه مستثمرًا وشريكًا ومورّدًا. وتتيح منصة القطاع الخاص للشركات التعرف على الفرص الاستثمارية والتجارية المتاحة ضمن سلاسل القيمة لشركات محفظة الصندوق، بما يوسع مساحة مشاركة المنشآت المحلية في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة باستثماراته.
ويشكل برنامج «مساهمة» أحد الأدوات التي تربط الاستثمار بالمحتوى المحلي، من خلال إدماج المنتجات والخدمات المحلية في دورة حياة المشاريع، بدءًا من التصميم مرورًا بالمشتريات ووصولًا إلى التشغيل، إلى جانب تطوير الصناعات المحلية ودعم تنافسيتها وتحفيز الابتكار. كما يعمل برنامج تطوير الموردين على رفع قدرات الشركات المحلية لتلبية احتياجات شركات محفظة الصندوق، بما يجعل التوطين مرتبطًا ببناء قدرة إنتاجية محلية وليس بالمشتريات وحدها.
وتعزز «منصة مساهمة» هذا المسار عبر ربط الموردين المحليين بأكثر من 150 شركة من شركات محفظة الصندوق، وإتاحة رؤية أوضح للطلب وفرص المشتريات وبرامج تطوير الموردين، بما يساعد الشركات المحلية على الدخول في سلاسل الإمداد والتوسع داخلها.
وبذلك، تطرح استراتيجية 2026–2030 مفهومًا أوسع للقيمة الاقتصادية للاستثمار؛ فالأثر لا يُقرأ فقط بحجم المشروع أو رأس المال المستثمر، وإنما بقدرته على إنشاء طلب محلي، وتنمية موردين، وتطوير صناعات وخدمات، وربط القطاعات بعضها ببعض. ومن هنا تتحول سلاسل القيمة إلى إحدى القنوات التي يمكن عبرها بقاء جزء أكبر من أثر الإنفاق الاستثماري داخل الاقتصاد السعودي، بالتوازي مع تعزيز قدرة الشركات الوطنية على النمو والمنافسة.
وتبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى قدرة هذه المنظومات على نقل الشركات المحلية من مجرد الاستفادة من الفرص التي تولدها المشاريع الكبرى إلى بناء قدرات تنافسية مستدامة تستطيع التوسع محليًا والوصول إلى أسواق أوسع؛ وهو ما يجعل نضج سلاسل القيمة أحد المؤشرات المهمة لقراءة الأثر الاقتصادي لاستثمارات الصندوق حتى عام 2030.






