المقالات

متى يكون الذكاء الاصطناعي مساعدًا حقيقيًا للمعلم؟

أشار معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان، في اللقاء الصحفي الذي عقده بمناسبة انطلاقة العام الدراسي الجديد، إلى توجه الوزارة نحو توظيف الذكاء الاصطناعي مساعدًا للمعلم، بما يسهم في تخفيف الأعباء الإدارية عنه. وهذا التوجه يتجاوز مجرد إدخال تقنية حديثة إلى المدرسة، ليطرح سؤالًا أكثر أهمية: متى يكون الذكاء الاصطناعي مساعدًا حقيقيًا للمعلم؟
ومفهوم هذا التوجه -كما أراه – أن تُستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما وصلت إليه من قدرات متقدمة، في رفع كثير من المهام الإدارية والروتينية عن المعلمين، واستعادة ما تستنزفه من وقتهم وجهدهم؛ ليتفرغوا لمهامهم التعليمية والتربوية والإنسانية الأصيلة: تعليمًا وتربيةً وتوجيهًا وغرسًا للقيم وبناءً للإنسان.
فالمعلم مكانه الطبيعي بين طلابه؛ يعلّم ويربي ويوجه ويقوّم، ويتابع المتعثر، ويكتشف الموهبة، ويغرس القيم، ويبني الدافعية متفرغا لهذه المهام الفنية ، وليس من حسن استثمار هذا الدور أن تستنزف التقارير والنماذج وإدخال البيانات وتكرار الإجراءات جانبًا من وقت المعلم وطاقته، فتصرفه عن مهامه التعليمية والتربوية التي لا يمكن للتقنية ولا لغير المختص أن يقوم بها نيابةً عنه.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي؛ ليس في أن يحل محل المعلم، وإنما أن يتولى عنه ما تستطيع الآلة أن تؤديه، ليبقى للمعلم ما لا تستطيع الآلة القيام به. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل نتائج الطلاب، ويعد التقارير، ويقترح الأنشطة، ويساعد في بناء أدوات التقويم والخطط العلاجية، ويختصر كثيرًا من الأعمال المتكررة؛ لكنه لا يستطيع أن يكون قدوة، ولا أن يستشعر خلف صمت طالب حاجته إلى كلمة تشجيع، ولا أن يوقظ موهبة كامنة، أو يغرس قيمة، أو يمسح على رأس يتيم، أو يمد يد العون إلى محتاج، أو يدرك دقائق الفروق الفردية والإنسانية بين الطلاب كما يدركها معلم يعيش معهم تفاصيل يومهم الدراسي.
ومن هنا فإن المقياس الحقيقي لنجاح هذا التوجه لا ينبغي أن يكون في عدد التطبيقات والمنصات المستخدمة، وإنما في مقدار ما يرفعه عن كاهل المعلم من أعباء، وما يعيده إليه من وقت ليقضيه مع طلابه. فكل ساعة تختصرها التقنية من عمل روتيني ينبغي أن تعود إلى الطالب تعليمًا وتقويمًا وتوجيهًا، ورعايةً للمتعثر، واكتشافًا للموهوب، وتفاعلًا إنسانيًا لا تصنعه الآلة.
ويبقى التحدي في ألا يتحول الذكاء الاصطناعي نفسه إلى عبء تقني جديد؛ منصة أخرى، ومدخلات أخرى، وتقارير ومتطلبات إضافية. فالمطلوب ليس إضافة الذكاء الاصطناعي إلى قائمة مهام المعلم، وإنما إعادة النظر في هذه القائمة نفسها؛ فما تستطيع التقنية إنجازه أو اختصاره يُرفع عنه، وما يحتاج إلى خبرته التربوية وحضوره الإنساني يبقى له.
ولوزارة التعليم تجربة تستحق الإشادة في هذا الاتجاه؛ حين نقلت قبل نحو عامين عددًا من الأعمال والمهام غير التعليمية من إدارات التعليم إلى جهات متخصصة، فخففت عنها جانبًا كبيرًا من الأعباء التشغيلية، وأتاحت لقيادات التعليم ومختصيه مساحة أكبر للتركيز على مهامهم التعليمية والتربوية الأساسية. وكان المبدأ في ذلك واضحًا: أن يتفرغ أهل التعليم للتعليم، وأن تُسند الأعمال الأخرى إلى من هو أقدر على أدائها.

وما نرجوه اليوم أن يتحقق المبدأ نفسه على مستوى المعلم؛ فتتولى التقنية، بمعاونة كوادر إدارية متمكنة، ما يمكن أن يُرفع عنه من أعباء إدارية وتنظيمية، ليوجّه المعلم وقته وجهده إلى رسالته الفنية التي لا يمكن أن يقوم بها غيره : تعليم طلابه، وتربيتهم، وتوجيههم، ورعايتهم، وبناء شخصياتهم .
وعندها فقط يكون الذكاء الاصطناعي مساعدًا حقيقيًا للمعلم ؛ لا لأنه وضع بين يديه أداة جديدة، وإنما لأنه رفع عن كاهله عبئًا، وأعاد إليه أثمن ما يملكه في المدرسة ؛ وقته مع طلابه ؛ معلّمًا ومربيًا وصانعًا للإنسان .

مرعي بن محمد البركاتي

مدير تعليم الليث سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى