كتاب الرأي

البوصلة الجامعية من عتبة البدايات إلى قمة الإنجاز

مع إطلالة أول يوم من أيام العام الدراسي وفي بداية صباحه المشرق من صباحات الوطن وأنتم أيها الطلاب وأنتن أيتها الطالبات تضعون أقدامكم على أولى درجات السلم في التعليم العالي، يسرني أن أهنئكم على الإنجاز الذي قمتم به في المرحلة الثانوية وعلى قبولكم الموفق في الجامعة. كما أهنئكم ببدء عام دراسي جديد وأسأل الله أن يكون عام خير وبركة وأمن وأمان وارفين على بلدنا الغالي.
إ​نكم تدخلون اليوم مرحلة تتسارع فيها التحولات الرقمية وتنبض بثورة الذكاء الاصطناعي، وهي وإن كانت تفتح أمامكم آفاقاً مذهلة، إلا أنها قد تحمل في طياتها شيئاً من التشتت وضياع الوجهة. ومن أجل أن تبدأوا مسيرتكم الجامعية على طريق واضح وبخطوات واثقة، تمكنكم من التحصيل والإنجاز المثمر بصورة مرضية ومريحة، فإن من المهم جداً أن تستوعبوا هذه المحطات والركائز الأساسية:
أولاً : التحول الكبير من التلقي إلى صناعة المعرفة
إن انتقالكم من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية هو انتقال حقيقي نحو النضج والوعي وإدراك أن طالب الجامعة يعول عليه الكثير من الطموحات والآمال في خدمة دينه ووطنه ومجتمعه. فلم يعد التعامل محصوراً على الكتاب المدرسي الموحد، بل أصبحتم أمام بحار من المراجع والمصادر المتنوعة، ويفترض أن تمثل المكتبة الرقمية والتقليدية وجبة رئيسة في جدولكم اليومي. بالإضافة إلى أن تواجد الطلاب لم يعد محصوراً في فصل دراسي طوال اليوم، بل عليهم أن ينتقلوا بين القاعات والمختبرات الذكية مستفيدين من مرونة الوقت التي تتطلب إدارة ذاتية واعية فقط. طالب اليوم باحث لا مستهلك كما أن عالم اليوم ليس بحاجة إلى من يحفظ ويتذكر، بل الحاجة ماسة إلى عقل مفكر يستخدم قدراته العليا، يتأمل، يستنتج، يقارن، ويميز. طالب يمتلك مهارات الحوار، والاتصال الوعي، والوسطية والاعتدال في الفكر والسلوك بعيداً عن الغلو أو التشتت.
ثانياً: الرضا بالقضاء والقدر وإعادة توجيه الشغف
قد يلتحق الطالب بتخصص لم يكن الخيار الأول في رغباته، وهنا يتجسد الإيمان العميق بأن الأمور مقدرة بحكمة إلهية بالغة. فالله لا يقدر لعبده المؤمن إلا الخير. ولكن احذروا من التواكل، وامنحوا أنفسكم الفرصة لاكتشاف جماليات هذا التخصص، وابحثوا عن البدائل والمهارات الرديفة التي تصنع منكم متميزين أينما حللتم، فالعبرة ليست دائماً بالعنوان، بل بمن يترك أثراً جميلاً وبصمة متميزة.
ثالثاً استثمار الثورة الرقمية وامتلاك ناصية (المعدل التراكمي)
ونحن نعيش في أحضان الذكاء الاصطناعي والمنصات الذكية، فإن التفوق لم يعد محصوراً في حضور المحاضرات فحسب، بل في كيفية توظيف التقنية لتكون خادماً لا مشتتاً. كما أن المعدل التراكمي ((GPA يمثل بوصلة حقيقية لمسيرة الطلاب الأكاديمية و(جواز السفر) الأول نحو فرص العمل والدراسات العليا. إن تخرج البعض دون إدراك حقيقي لما يعنيه المعدل أو كيفية حسابه ورفعه يعد مغامرة محسوبة. ويبدأ رفع المعدل من الأسبوع الأول عبر الحضور الذهني والفعلي، والمذاكرة اليومية التراكمية وليس (ليلة الاختبار فقط)، الاستفادة من التطبيقات الذكية في تنظيم الوقت والتلخيص، ومراجعة أستاذ المقرر أثناء الساعات المكتبية بجرأة وثقة لطرح الأسئلة عما غمض. وليتذكر كل طالب أن الجهد المبكر يصنع راحة البال في النهايات.
رابعاَ: إدارة الذات وبناء الشخصية المتكاملة
إن قدرة الطلاب على إدارة ذواتهم هي الفيصل بين النجاح والإخفاق. نظموا أوقاتكم بدقة بين الدراسة والأنشطة اللاصفية التي تصقل المهارات، وبناء العلاقات الإيجابية. امتلكوا الجرأة والمبادرة، وتدربوا على العمل الجماعي والتعاوني؛ فالمهارات الشخصية (SOFT SKILLS) اليوم لا تقل أهمية عن الشهادة الأكاديمية نفسها.
خامساً: التخلق بأخلاق العلم والتعلم
خامساً: ينبغي أن يمتلك طالب الجامعة سمات الطالب المسلم المعتز بقيمه، المتحلي بالصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة، والتعامل الحضاري الواعي مع زملائه وأساتذته ليكون سفيراً لأخلاقه ودينه ووطنه في كل محفل.
سادساً: الإلمام بالأنظمة واللوائح الجامعية
فالطالب الواعي هو من يقرأ دليل الجامعة ويعرف حقوقه وواجباته، والأنظمة الأكاديمية (كالاعتذار، الحرمان، التحويل، والإنذارات)، لكي يسير بخطوات آمنة ومدروسة تساعده على تفادي أي عقبات مفاجئة.
سابعاً: أدبيات الحوار واحترام الأساتذة
ينبغي على الطلاب الحرص على احترام أساتذتهم والاستفادة من خبراتهم، ومراعاة أدبيات النقاش، فحين تناقش أستاذك، استخدم لغة الحوار الحضاري والراقي، (مثلاً: احترم رأيك يا أستاذي الكريم ولكن أميل إلى كذا لأسباب علمية… أو اتفق معك بشكل كبير، ولكن ألا ترى أن هذا الأمر يتطلب كذا) هذا الرقي الفكري هو ما يميز طالب الجامعة عن غيره.
ثامناً: الهمة العالية والطموح الوثاب
فمن الجميل أن تنظروا دائماً إلى أعالي الأمور وقمم الجبال، وتجعلوا طموحاتكم عنان السماء، وتذكروا أن (الجبال من الحصى)، وأن الإرادة القوية تذلل المستحيل، ومن طلب العلا سهر الليالي.
متمنياً لجميع الطلاب والطالبات التوفيق في مسيرتهم الجامعية ولعل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا الالتقاء بكم قريباً وأنتم ترتدون مشالح التخرج، فرحين مستبشرين بتحقيق أحلامكم وتتويج تعب السنين. وضعوا نصب أعينكم أن وطنكم متشوق إلى تخرجكم وانضمامكم إلى من سبقكم من زملائكم لتكونوا أعضاء صالحين، نافعين، ومنتجين في مسيرة التنمية المباركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى