الحمد لله على نعمة الإسلام التي جاءت نوراً يهدي القلوب وميزاناً يضبط العلاقات بين الناس فلم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاطتها بأدب رفيع وخلق قويم. ومن أعظم ما جاء به ديننا أن جعل المجتمع جسداً واحداً تتراحم أجزاؤه ويشد بعضه بعضاً فلا يضيع فيه الضعيف ولا يهان فيه الكبير ولا يترك فيه الصغير بلا رعاية. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس في أصحابه معاني المروءة والإحسان ويؤكد أن تمام الإيمان لا يكون إلا بحسن الخلق مع كل الناس كبيرهم وصغيرهم قريبهم وبعيدهم.
ومن هذا الهدي النبوي العظيم الذي يدل على كمال الشريعة وسمو مقاصدها قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا. وفي هذا الحديث معنى عميق يربط بين الإيمان والسلوك وبين الانتماء إلى هدي النبي وبين الرحمة والتوقير. فقوله ليس منا ليس المقصود به الخروج من الملة وإنما التنبيه على أن من ضيع هذه القيمة فقد فرط في جزء أصيل من طريق النبي وسنته وأخلاقه التي بعث ليتممها. فالإسلام لا يرضى بمجتمع تتقطع فيه أواصر المودة وصلة الرحم، ولا يقبل بدين يترك الطفل بلا حنان ولا الشيخ بلا إكرام.
أما الرحمة بالصغير فهي أصل التربية وأساس بناء الأجيال فالطفل أمانة في أعناقنا نربيه بالرفق ونعلمه باللين ونغرس فيه القيم بالقدوة قبل الكلمة.
ورحمتنا به ليست ضعفاً وإنها قوة لأنها تصنع إنساناً سوياً يعرف الحق ويؤديه ويحمل الخير إلى غيره. وقد كان نبينا أرحم الناس بالصغار يلاعبهم ويحنو عليهم ويسلم عليهم ويوصي بهم خيراً.
وأما توقير الكبير فهو اعتراف بالفضل ورد للجميل وتقدير للتجارب التي خطها الزمن في قلب الشيخ الكبير. فالكبير مدرسة تمشي على الأرض وذاكرة الأمة وبركتها. وتوقيره يكون بإجلاله في المجلس وبمبادرته بالسلام وبقضاء حاجته وبإشعاره أن له مكانة لا تسقط بتقدم العمر. وبهذا يحفظ المجتمع توازنه فلا يطغى فيه القوي على الضعيف ولا ينسى فيه الجديد فضل القديم.
ويزداد هذا المعنى عظمة وجلالاً خصوصاً عندما تكون الصلة صلة رحم فيجتمع في الفعل أجران أجر الرحمة والتوقير وأجر صلة الرحم التي أمر الله بها ووصلها ووعد واصلها بالخير والبركة في العمر والرزق. فالإسلام لم يكتف بالوصية العامة بل خص الأقارب بمزيد عناية لأن البيت هو أول مدرسة وأول مجتمع.
إن هذه القيمة الجليلة التي جاء بها الإسلام ليست مجرد عادة اجتماعية وإنها عبادة نتقرب بها إلى الله لأننا نطيع أمر نبيه ونحي سنته. وهي في الوقت نفسه ضمانة لحقوق الإنسان قبل أن تعرف الدنيا مواثيق الحقوق فالإسلام سبق إلى حماية الكرامة ورعاية الضعفاء وصيانة كبار السن من الإهمال والنسيان. وهذه هي عظمة ثقافتنا الإسلامية التي جمعت بين العدل والإحسان وبين القوة والرحمة وبين احترام الفرد وحفظ الجماعة.
فالحمد لله حمداً كثيراً على نعمة الإسلام وعلى ما أودع في شريعتنا من قيم نبيلة تحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته، وتصون للمجتمع تماسكه. وإننا حين نربي أبناءنا على الرحمة بالصغير والتوقير للكبير وصلة الرحم فإننا نغرس فيهم أصلاً من أصول الدين وخلقاً من أخلاق النبيين.
فلنتمسك بهذه القيم ولنجعلها شعاراً في بيوتنا ومدارسنا وأعمالنا حتى نكون حقاً على هدي نبينا وعلى طريقته التي قال عنها ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.


