كتاب الرأي

لقب لم يختره.. وسخرية يدفع ثمنها

خلال عملي في العيادة، واجهت حالات لأشخاص لم تكن مشكلتهم في أسمائهم، وإنما في ألقابهم العائلية التي يحملونها. بعض هذه الألقاب قد يكون عاديًا في نظر الكبار، لكنه يتحول في البيئة المدرسية إلى مادة للتندر والسخرية وإطلاق التعليقات بين الطلاب.

كان بعضهم يقول بوضوح: «لا أحب لقبي»، وآخر يتمنى لو يستطيع حذفه أو تغييره، ليس اعتراضًا على أسرته أو أصله، وإنما هربًا من الاستهزاء الذي يتعرض له كلما ناداه أحد باسمه كاملًا.

وقد تبدو المسألة بسيطة لمن لم يعشها، وربما يقول البعض: مجرد مزاح بين الطلاب وسينتهي. لكن الواقع يؤكد أن الكلمة التي يضحك منها مجموعة من الطلاب قد تبقى في نفس الطفل أو المراهق فترة طويلة، خصوصًا عندما تتكرر يومًا بعد يوم، وتتحول إلى وسيلة للتنمر عليه أمام زملائه.

وقد جاء الإسلام واضحًا في النهي عن هذا السلوك، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ… وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]. وقال النبي ﷺ: «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» رواه مسلم.

وهذه توجيهات عظيمة تؤكد أن السخرية من الآخرين وانتقاصهم ليستا مجرد مزاح عابر، بل سلوك قد يؤذي كرامة الإنسان ومشاعره. واللقب الذي يراه أحدهم مضحكًا قد يمثل لصاحبه أسرته وانتماءه وهويته، فلا يجوز أن يتحول إلى أداة للاستهزاء به.

المشكلة هنا ليست في اللقب نفسه، وإنما في الطريقة التي يستخدمه بها الآخرون. فاللقب الذي يمثل الانتماء الأسري والاجتماعي قد يتحول لدى صاحبه إلى مصدر حرج، وربما يصل الأمر إلى كراهية سماعه أو تجنب ذكره، والشعور بالقلق عند التعريف بنفسه في المدرسة أو في المناسبات الاجتماعية.

ومن خلال الحالات التي قابلتها، وجدت أن بعض المتضررين لا يبحثون عن مواجهة زملائهم بقدر ما يبحثون عن الراحة؛ فيفكر أحدهم في حذف اللقب، ويفكر آخر في تغييره، معتقدًا أن التخلص منه يعني التخلص من السخرية المرتبطة به.

وهنا يجب أن نتوقف عند أصل المشكلة: هل نعالج المتضرر بتغيير لقبه، أم نعالج البيئة التي جعلت من لقب إنسان وسيلة لإيذائه؟

من حق الإنسان أن يناقش تغيير اسمه أو لقبه وفق الأنظمة والإجراءات الرسمية إذا كانت لديه أسباب معتبرة، لكن الأهم تربويًا واجتماعيًا ألا نترك الطفل أو المراهق وحيدًا أمام السخرية، وألا يصبح تغيير اللقب هو الحل الوحيد للتنمر؛ لأن المتنمر قد يبحث غدًا عن شيء آخر: الشكل أو الوزن أو اللهجة أو المستوى الدراسي أو الوضع الاجتماعي.

المطلوب أن تكون المدرسة أكثر انتباهًا لهذا النوع من التنمر الذي قد يبدأ بكلمة وضحكة، وأن يتعامل المعلم والمرشد الطلابي مع الشكوى بجدية، لا بعبارة: «لا تهتم بهم». فالطالب الذي يأتي ليقول إن زملاءه يسخرون من لقبه لا يحتاج فقط إلى نصيحة بالصبر، بل يحتاج إلى تدخل يوقف السلوك ويحفظ كرامته ويعيد إليه شعوره بالأمان داخل المدرسة.

كما أن على الأسرة أن تستمع إليه دون التقليل من مشاعره. فما يبدو للكبار لقبًا عاديًا قد يكون بالنسبة إليه سببًا يوميًا للإحراج، خصوصًا في مرحلة عمرية تكون فيها نظرة الأقران شديدة التأثير.

وفي المقابل، علينا أن نربي أبناءنا على قاعدة بسيطة: اسم الإنسان ولقبه ليسا مادة للضحك. قد تضحك أنت لثوانٍ، بينما يحمل الآخر أثر كلمتك سنوات.

لقد علمتني الحالات التي قابلتها في العيادة أن بعض المشكلات التي تبدو صغيرة في أعيننا قد تكون كبيرة في نفوس أصحابها. وعندما يصل طفل أو شاب إلى مرحلة يتمنى فيها التخلص من لقبه حتى يتوقف الآخرون عن السخرية منه، فالمشكلة لم تعد في اللقب، بل في سلوك اجتماعي يحتاج إلى تصحيح.

لا تجعلوا إنسانًا يكره اسمه أو لقبه بسبب كلمة ساخرة؛ فالإنسان لا يختار الاسم الذي يولد به، لكنه يستحق أن يُنادى به باحترام.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى