قبل أيام، استقال الباحث جاكوب كوكسن من “أنثروبيك” بعد ثلاث سنوات بين “أوبن إيه آي” وهذه الشركة، محذراً من أن الشركتين “تتسابقان مباشرة نحو ذكاء فائق قادر على تحسين ذاته بنفسه، وتراهنان بحياتنا”. بعدها بأيام، طالب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، بإبطاء وتيرة تطوير النماذج: “علينا إبطاء وتيرة تحسين قدرات هذه النماذج… ويتعين علينا استغلال الوقت الذي نكسبه بحكمة.” ثم جاء رد إيلون ماسك ووسام ألتمان -رئيسا أكبر شركتين منافستين- بتأييد ضمني لدعوته.
هذا المشهد يختصر تبايناً أعمق من خلاف بين تنفيذيين: قسم يركض بأقصى سرعة، وقسم لا يزال يحاول فهم الحاضر. وأنا هنا، بصفتي من أشد المؤيدين لاستخدام الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي مضطرة للاعتراف بأن هذا التأييد لا يعفيني من قراءة المشهد بواقعية: فما نشهده ليس خلافاً بين شركات فقط، بل فجوة داخل المجتمع نفسه، أبرزها أن “فجوة الجيل” لم تعد فجوة عمرية كما اعتدنا، بل صارت فجوة معلوماتية بامتياز.
الفجوات التقنية ليست جديدة؛ عرفنا فجوة الحاسوب والإنترنت والهاتف الذكي. لكن فجوة الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بمن يملك الجهاز، بل بمن يفهم كيف يفكر النظام ومن يتعامل معه كصندوق أسود. فالتقنية لم تعد أداة تُستخدم فحسب، بل صارت طرفاً يتخذ قرارات ويكتب ويحلل، بسرعة تفوق قدرة الفرد العادي على ملاحقتها ما لم يستثمر وقته في فهمها. والأخطر أن هذا التطور لم يعد خطياً، بل صار -بحسب تحذيرات باحثين من داخل الصناعة نفسها- “ذاتي التحسين”، حيث تساهم النماذج الحالية في بناء الجيل الذي يليها.
على مستوى الصناعة، هناك من يرى أن التباطؤ انتحار تنافسي، وهناك من يرى أن السباق نفسه قد يقود إلى هاوية لا عودة منها. أما على مستوى المجتمعات، فالفجوة لم تعد بين جيل كبير وجيل صغير كما اعتدنا، بل صارت بين من يملك المعلومة الصحيحة ومن لا يملكها، بصرف النظر عن العمر. فكم من “صغير سنّ” لا يعرف عن الذكاء الاصطناعي شيئاً يُذكر، ولا يستخدم منه سوى ChatGPT أو Claude بطريقة سطحية، أقرب لمحرك بحث محسّن منها لأداة تفكير حقيقية؛ بينما تجد من هم أكبر سناً يستثمرون هذه الأدوات بعمق يفوق كثيراً ما يفعله “أبناء الجيل الرقمي”. فالمعرفة، لا العمر، هي من تحدد موقع الإنسان اليوم، والتراجع غالباً ليس كسلاً أو عناداً، بل نتاج غياب سياسات تعليمية واضحة تُهيئ الناس لفهم ما يحدث، لا فقط لاستخدامه سطحياً.
وهنا يبرز دور مهم لصنّاع القرار المحليين: فتحذيرات مثل تحذير كوكسن، ودعوات مثل دعوة أمودي، ليست نقاشاً بعيداً يخص وادي السيليكون وحده، بل مادة خام ينبغي أن تُترجم محلياً إلى سياسات توعية واضحة، بدل أن تبقى حبيسة عناوين الأخبار. فكيف يستقبل المسؤولون عن السياسات التقنية هذا النقاش العالمي، وهل يترجمونه إلى برامج تُضيّق الفجوة المعلوماتية داخل مجتمعاتهم، هو ما سيحدد فعلياً مصير هذا الانقسام محلياً، بصرف النظر عن اتجاه السباق عالمياً.
فهل ما زلنا في بداية الطريق، أم أن القطار قد انطلق فعلاً ولن ينتظر من تأخر عن الصعود؟ الدعوات للتريث، حتى من كبار صناع هذه التقنية، تحمل مؤشراً مهماً: المحطة لم تُغلق بعد، لكن الوقت يضيق بسرعة. وبينما تمضي جهات كثيرة بخطى واثقة نحو تبني هذه التقنية ودعمها، تبقى مسؤولية اللحاق بفهمها الحقيقي على عاتق كل فرد منا.
القطار انطلق بالفعل. لكن ما يحدد إن كنا سنركبه بوعي أم نراقبه من بعيد، ليس سرعته هو، بل سرعتنا نحن في اللحاق بفهمه.
0





