طلاليات
في صباح الامس، رنَّ هاتفي، وإذا بالصوت الوقور يأتي من الطرف الآخر. كان المتحدث معالي الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، مدير جامعة أم القرى السابق، وابن مكة المكرمة الذي نشأ في أحيائها العريقة، وتلقى تعليمه في مدارسها، ثم عاد إليها معلمًا وأستاذًا جامعيًا، قبل أن يتولى قيادة واحدة من أعرق الجامعات في المملكة.
لم يكن الاتصال لطلبٍ أو موعد، ولم يكن يحمل شأنًا أكاديميًا أو إداريًا، بل كان رسالة شكر على مقال نشرته في صحيفة مكة الإلكترونية عن الأمسية العلمية التي استضافه فيها إيوان المودة بمحافظة الطائف.
توقفت كثيرًا أمام تلك المكالمة. فما كتبته لم يكن في نظري سوى أداءٍ لواجبي الإعلامي، ونقلٍ أمين لما شهدته وسمعته، ورغبة صادقة في أن يصل شيء من ذلك الفكر الراقي إلى قراء الصحيفة. أما ما قدمه الدكتور بكري عساس في تلك الأمسية، فهو أكبر من أن يحتويه مقال، وأغزر من أن تختصره الكلمات.
غير أن تواضع الكبار كان حاضرًا كعادته. فقد آثر أن يتصل بنفسه، وأن يعبر عن امتنانه بكلمات صادقة، في موقف أكد لي أن المناصب الرفيعة لا تصنع العظمة، وإنما تصنعها الأخلاق، وأن العلماء الحقيقيين كلما ارتفعت مكانتهم ازدادوا تواضعًا وقربًا من الناس.
أغلقت الهاتف، وبقي صدى تلك الكلمات يرافقني، فعادت بي الذاكرة إلى تلك الأمسية التي احتضنها إيوان المودة بدعوة كريمة من الأستاذ الدكتور عايض محمد الزهراني، وأعضاء الإيوان
التي حضرها نخبة من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين والأدباء، يتقدمهم سعادة مدير جامعة الطائف الأستاذ الدكتور يوسف عسيري، وسعادة مدير فرع الشؤون الصحية بمحافظة الطائف الأستاذ الدكتور سمير الشهراني، إلى جانب رئيس تحرير صحيفة مكة الأستاذ عبدالله الزهراني وعدد من الشخصيات العلمية والثقافية.
منذ اللحظة الأولى، أدرك الجميع أنهم أمام عالمٍ لا يحتاج إلى أوراق، ولا إلى شاشةٍ يقرأ منها، فقد كان العلم حاضرًا في ذاكرته، والتجربة تنطق على لسانه، والثقة الهادئة تسبق كلماته.
تحدث أكثر من ساعة ونصف، ولم يشعر أحد بمرور الوقت. كانت القاعة تغرق في صمتٍ مهيب، وكأن على رؤوس الحاضرين الطير، لا لأن الرجل كان خطيبًا مفوهًا فحسب، بل لأن حديثه كان يمزج بين المعرفة العميقة، والتجربة الصادقة، والأسلوب الذي يصل إلى القلب قبل العقل.
أخذنا في رحلة بين الجامعات ورسالتها، وبين التعليم ودوره في صناعة الإنسان، وتحدث عن المعلم الذي يغرس القيم قبل العلوم، وعن الطالب الذي يمثل الثروة الحقيقية للوطن، وعن مخرجات الجامعات السعودية التي كان لها إسهام كبير في مسيرة التنمية وبناء الإنسان.
لم يكن يلقي محاضرة تقليدية، بل كان يروي تجربة عمر، ويقدم خلاصة سنوات طويلة قضاها بين قاعات الدرس ومجالس الإدارة وميادين الفكر، لذلك كان لكل كلمة وزنها، ولكل موقف دلالته، ولكل شاهد أثره.
وحين انتهت الأمسية، لم أجد وصفًا أصدق لما كان في داخلي :
إلا ما كان يتركه الشيخ الجليل علي الطنطاوي في برنامجه الشهير «على مائدة الإفطار». كان إذا بدأ حديثه تمنى الناس ألا يبلغ نهايته، لما امتاز به من عذوبة البيان، وسحر الأسلوب، وصدق الكلمة.
وهكذا كان الدكتور بكري عساس في تلك الليلة؛ حديثٌ ماتع، وعلمٌ غزير، وأسلوبٌ يأسر العقول والقلوب، حتى خُيّل إلينا أن الزمن وحده هو الذي استعجل نهاية الأمسية، أما نحن فكنا نتمنى لو امتدت ساعاتٍ أخرى. ولم يكن الذي أوقف ذلك السيل العذب من الفكر والمعرفة إلا موعد مائدة العشاء.
خرجت من تلك الأمسية وأنا أكثر يقينًا بأن الجامعات لا تصنعها المباني، بل يصنعها الرجال، وأن قيمة العالم لا تقاس بما حمله من ألقاب، وإنما بما يتركه من أثر في العقول، وما يغرسه من قيم في النفوس.
ولعل أجمل ما خرجت به لم يكن تلك المحاضرة وحدها، بل ذلك الاتصال الذي أعقبها. فقد أكد لي أن العلم إذا اقترن بالتواضع اكتملت صورته، وأن الأخلاق الرفيعة هي السيرة التي تبقى، حتى وإن غابت المناصب.
فشكرًا للدكتور بكري عساس على علمه الذي أمتع الحاضرين، وعلى تواضعه الذي أسر القلوب، وشكرًا لإيوان المودة وللدكتور عايض محمد الزهراني وأعضاء ايوان الموده بالطائف على هذه المبادرات الثقافية التي تثري المشهد الفكري، وتؤكد أن وطننا، وهو يمضي بثقة نحو مستهدفات رؤية المملكة 2030، لا يزال يزخر برجالٍ يحملون العلم رسالة، والأخلاق منهجًا، والكلمة مسؤولية.




