حين تتحول شقة كانت بـ12 ألف ريال سنويًا إلى 17 ألفًا فجأة، فهذا ليس مجرد “تعديل عقد”. هذا فرق 5 آلاف ريال يمثل ربع دخل أسرة كاملة تعتمد على الضمان الاجتماعي. وللأسف، هذه القصة تتكرر اليوم في مكة وجدة والرياض والدمام، وتضع آلاف الأسر المستفيدة أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بالزيادة أو البحث عن سكن آخر بتكلفة نقل وتأمين جديد وقلق لا ينتهي.
1. أين تكمن المشكلة؟
المستفيد من الضمان الاجتماعي يحصل على دعم مخصص لأساسيات الحياة: غذاء، دواء، كهرباء، ومسكن. لكن الدعم ثابت نسبياً، بينما الإيجارات ترتفع بوتيرة لا تتناسب معه.
في مكة مثلاً، الطلب على السكن يزيد بسبب الموسمية وقرب الأحياء من الحرم والخدمات، فيستغل بعض الملاك هذا العامل ويرفعون الإيجارات بنسبة تتجاوز 40% دفعة واحدة. رفع إيجار شقة من 12 ألف إلى 17 ألف يعني أن الأسرة تحتاج تدفع 416 ريال إضافية كل شهر من دخل لا يحتمل.
النتيجة: جزء كبير من معاش الضمان يذهب للإيجار، ويتبقى الفتات لمتطلبات الحياة الأخرى.
2. لماذا ترتفع الإيجارات بهذا الشكل؟
السبب ليس واحداً:
– ارتفاع تكلفة البناء والصيانة : انعكس على ملاك العقارات القديمة والجديدة.
– نقص المعروض في بعض الأحياء : الطلب أعلى من العرض في المناطق القريبة من الخدمات والمدارس والمراكز الحيوية.
– غياب سقف تنظيمي للزيادة : النظام يسمح برفع الإيجار عند تجديد العقد، لكنه لا يضع حداً أقصى للزيادة السنوية في كثير من الحالات.
– العامل الموسمي في مكة : الطلب على السكن يرتفع في مواسم العمرة والحج، وينعكس على الإيجارات السنوية.
3. الأثر على مستفيدي الضمان
المشكلة لا تتوقف عند الإيجار. بعد ارتفاعه وإضافة رسوم العقد الإلكتروني وفواتير الكهرباء والماء، يجد المستفيد نفسه أمام معادلة مستحيلة.
كثير من الأسر بعد سداد الإيجار والفواتير لا يبقى معها إلا 50 ريالاً أو أقل من كامل دعم الضمان للشهر كامل.
50 ريالاً لا تكفي أسبوع أكل لشخص واحد، فكيف بأسرة فيها 5 أو 6 أفراد؟
النتيجة المباشرة:
– .اختلال أولويات الصرف : يذهب الدعم كله للسكن على حساب الغذاء والدواء والتعليم.
– .انعدام الاستقرار الأسري : التنقل المتكرر بين الشقق يؤثر نفسياً ودراسياً على الأبناء.
– اللجوء للدين : بعض الأسر تستدين لتغطية الأكل والعلاج، فتدخل في دائرة ديون لا تنتهي.
4. ما الحلول الممكنة؟
المسؤولية مشتركة بين الدولة، الملاك، والمجتمع:
1. تفعيل الدعم السكني الموازي : تسريع تخصيص برامج الإسكان التنموي لمستفيدي الضمان في مكة وجدة وباقي المدن، وتوسيع قائمة الشقق المتاحة بإيجارات مدعومة.
2. وضع سقف معقول للزيادة السنوية : بحيث لا تتجاوز الزيادة نسبة محددة إلا بمبرر فني واضح وموثق.
3. تفعيل دور منصة إيجار : لتوثيق العقود ومتابعة المخالفات ومنع المغالاة غير المبررة.
4. مبادرات مجتمعية وجمعيات خيرية : لدعم فرق الإيجار مؤقتاً للأسر المتضررة، خصوصاً في مكة المكرمة.
5. تمكين المستأجر بمعرفة حقوقه : فهم بنود العقد، ومدة الإشعار بالزيادة، وآليات الاعتراض عند المغالاة.
5. كلمة أخيرة
السكن ليس رفاهية. هو أول حاجة بعد الأكل والشرب. ولما يكون مستفيد الضمان في مكة أو جدة مطالباً بدفع 5 آلاف زيادة دفعة واحدة، ثم لا يبقى له من دخله إلا 50 ريالاً، فهذا مؤشر أن المنظومة تحتاج مراجعة عاجلة.
العدل يقول: لا تُترك الأسرة بين مطرقة غلاء الإيجار وسندان دخل ثابت. إما أن يُراجع الدعم ليتناسب مع الواقع، أو تُضبط الزيادات لتكون منطقية وإنسانية.
المستفيد من الضمان ليس رقماً في كشف، بل أسرة تنتظر من المجتمع والدولة أن تمنحها الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.






