الحلقة ( 2 )
نسعد كثيراً بهذا الحضور المتجدد لمنتخبنا الوطني في نهائيات كأس العالم لكرة القدم بعد القفزات الرائعة التي شهدتها ملاعبنا في السنوات الاخيرة باستقطاب نخبة مميزة من نجوم العالم وارتداء شعارات أنديتنا كقيمة فنية وسوقية لها ثقلها ومدلولاتها.. وبغض النظر عن حدود المنافسة في هذا المونديال وما سيقدمه المنتخب إلا أن حضوره العالمي يعد صورةً مشرقةً من صور الإنجاز الرياضي، وعنواناً حضارياً يعكس ما يعيشه الوطن من نهضة شاملة في ظل رؤية قيادته الرشيدة وطموحاتها المتجددة.
وكلما شاهدت راية المملكة ترفرف في هذا المحفل العالمي الكبير، عادت بي الذاكرة إلى البدايات الأولى، إلى ذلك الحجر الأساس الذي قامت عليه الحركة الرياضية السعودية الحديثة، يوم حمل لواءها الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – فكان رائدها ومهندس تنظيمها الأول، وصاحب الرؤية التي نقلت الرياضة من دائرة الاجتهادات الفردية إلى إطار مؤسسي أكثر نضجاً واستقراراً.
وقد أشرت في مقالي السابق إلى هذه الشخصية الاستثنائية بوصفها المدخل الطبيعي للحديث عن مرحلة التأسيس الرياضي، وهي مرحلة تزخر بالأحداث والوقائع والرجال الذين أسهموا في صناعة تاريخنا الرياضي.
ولأنني لست مؤرخاً بالمعنى المهني للكلمة، فإن غايتي هنا ليست استعراض التفاصيل الدقيقة أو الإحاطة الشاملة بكل الوقائع، وإنما هي محاولة إلقاء الضوء على بعض الروايات والشهادات والمواقف التي أراها جديرة بالتوقف والتأمل، واستحضار ما تحمله من دلالات ومعانٍ تتجاوز حدود الزمن.
ومن خلال هذه الإضاءات المختصرة التي أتشرف بتقديمها عبر هذه الصحيفة، سأحاول قدر المستطاع أن أنتقي من صفحات تلك المرحلة ما يستحق الإشارة إليه، وأن أقف عند بعض المحطات التي أسهمت في رسم ملامح الرياضة السعودية في سنواتها الأولى، وفي مقدمتها الجهود الرائدة للأمير عبدالله الفيصل رحمه الله، الذي سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الرياضة السعودية بوصفه أحد أبرز بناة نهضتها الحديثة.
• أول لقاء مع الرائد
جاء تشرفي بلقاء الأمير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – أولاً في مكتبه بعمارة الجوهرة في جدة، ثم في مجلسه اليومي الذي كان يستقبل فيه زواره ومريديه. ولا يفوتني هنا أن أشيد بالدور الكبير الذي قام به الصديقان العزيزان “الأحمدان” الكابتن أحمد عيد، والكابتن أحمد حكيم الغامدي – رحمه الله – فقد كان لهما فضل كبير – بعد الله – في تقديمي إلى سمو الأمير والتعريف بي ككاتب صحفي رياضي له عمود يومي يكتب فيه عبر صحيفة “عكاظ”، مما أتاح لي فرصة الاقتراب من هذه القامة الوطنية الفريدة وإبداء رغبتي في تدوين سيرته الرياضية وتوثيق أبرز ملامح قصة التأسيس الرياضي في المملكة، واستحضار أسماء الرجال الذين شاركوه وضع اللبنات الأولى والقواعد التنظيمية التي انطلقت منها عجلة الرياضة السعودية نحو مسيرة طويلة من الإنجازات والنجاحات.
• تعال “مملكة الدجاج”
تكررت زياراتي للأمير ولقاءاتي به في مكتبه ومجلسه المفتوح، وكان يرافقني دائماً شعور داخلي بأن ما أسعى إليه سيتحقق وقد حدث ذلك بالفعل.. ففي أحد الأيام، وعند خروج الأمير من مجلسه في قصره بشارع التحلية، خرج الجميع لتوديعه، وكنت بينهم.. وبعد أن استقر في المقعد الأمامي المجاور للسائق، لمحني واقفاً بين الكابتن أحمد عيد والكابتن أحمد حكيم الغامدي، فأنزل زجاج السيارة وناداني، اقتربت منه، فقال بابتسامته الهادئة:
– “تعال لي في مملكة الدجاج”.
ثم مضى في طريقه، تاركاً إياي غارقاً في حيرة لا تقل عن دهشتي، أتساءل: ماذا يقصد بـ”مملكة الدجاج”؟!
وبينما كنت سارحاً في تفسير العبارة، بادرني الكابتن أحمد عيد بالسؤال:
ـ “أيش قال لك الأمير؟
فأجبت:”قال تعال لي في مملكة الدجاج.. بس ماني فاهم إيش يقصد؟”
عندها تبادل “الأحمدان” الابتسامة، وأوضحا لي أن “مملكة الدجاج” اسم أطلقه الأمير على قصر صغير أشبه ما يكون باستراحة كان يقضي فيها بعض أمسياته اليومية، ولا يحضر مجلسه الخاص فيها إلا عدد محدود جداً من أقرب أصدقائه وجلسائه.. وقد اختار لها هذا الاسم الطريف بسبب وجود حضائر في فنائها الخلفي تضم أنواعاً مختلفة من الدواجن وبعض الطيور الجميلة النادرة.
أما فرحتي بتلك الموافقة الضمنية، فكانت فوق الوصف، إذ كانت تعني بالنسبة لي أشياء كثيرة على رأسها – بالتأكيد – ثقة رجل بحجم الأمير عبدالله الفيصل في شخصي المتواضع، ككاتب وصحفي سعودي لا يملك حينها من أدوات خدمة وطنه سوى الرأي، والفكرة، وناصية القلم.
كما تعني أيضاَ منحي شرف الجلوس معه في مجلسه الخاص، ومحاورته عن قرب، والاقتراب من شخصية استثنائية جمعت بين الرمزية الوطنية والكاريزما الإنسانية، وبين الثقافة الواسعة وتعدد المواهب والاهتمامات.
* اللقاء الذي بدأ بـ”ملكة الليل”
في مساء اليوم التالي، توجهت برفقة الكابتن أحمد حكيم الغامدي – رحمه الله – إلى “مملكة الدجاج”، وأنا أحمل في داخلي مزيجاً من الفرح والترقب والفضول. فقد كنت أشعر أنني مقبل على خطوة مختلفة، وأن باباً ظل موارباً طوال الأسابيع الماضية قد بدأ ينفتح أخيراً.
وما إن اجتزنا البوابة الرئيسية حتى استقبلتنا الحديقة وبدت كأنها لوحة مرسومة بعناية عاشق للجمال.. مساحات خضراء أنيقة، وشجيرات وأحواض زهور تتناثر ألوانها في المكان كأنها قطع من الربيع.. لكن أكثر ما شد انتباهي – ولازلت أذكره حتى اليوم – رائحة عطرية آسرة تملأ الأجواء وتنساب في الهواء حتى خُيل إليّ أن المكان يتعطر من تلقاء نفسه.. فألتفت إلى مصدر هذا العطر في الحديقة فإذا به شجيرات “ملكة الليل” تنتشر هنا وهناك وتسبق خطواتنا إلى المجلس، وترافقنا كأنها رسالة ترحيب صامتة من المكان نفسه. ولم يكن غريباً أن أجدها في استراحة الأمير عبدالله الفيصل الذي أحب الشعر والجمال والفروسية والفن، فكان من الطبيعي أن يحيط نفسه بكل ما يبعث البهجة في النفس ويغذي الذائقة الرفيعة.
كانت مشاعر الحماسة تتصاعد في داخلي.. لم أكن مقبلاً على لقاء عابر مع شخصية عامة، بل على جلسة خاصة مع أحد أبرز صناع التاريخ الرياضي السعودي، ورجلٍ طالما قرأت عنه وسمعت الروايات التي تتحدث عن حضوره الآسر وشخصيته الاستثنائية.. والحق أن التفاصيل التي تختزنها الذاكرة عن ذلك اللقاء وما بعده من اللقاءات لا تزال تحاصرني في هذا المقام لكثرتها وتشعب دلالاتها.. لذلك سأكتفي هنا بأهم المحاور وباختصار يناسب النشر في هذه الإطلالة الصحفية.
• أنا اتحادي قبل الأهلي
ولعل أبرز تلك الومضات سؤال خطر ببالي في مستهل ذلك اللقاء، حين سألت سمو الأمير عن ميوله الرياضية وأقصد به النادي الذي يحبه على اعتبار أن ذلك حق مشروع يخص أي شخص تستهويه الرياضة ويتابع منافساتها.
جاءت إجابته دبلوماسية كما توقعت، إذ قال إنه يحب جميع الأندية السعودية، وأن هذا الحب يتجلى بصورة أكبر حين ترتدي تلك الأندية شعار المنتخب وتمثل الوطن في المحافل الرياضية.. وكان صادقاً فيما قال، لكنني أردت أن أستكشف الميول التي تسكن القلب وتداعب العاطفة بعيداً عن اللغة الرسمية، فسألته بصورة أكثر مباشرة عن النادي الأقرب إلى وجدانه.
فقال:
-“كنت أعشق الاتحاد قبل الأهلي.. كانت مشاعري كلها مع شيء اسمه الاتحاد. وعندما تخلى الاتحاديون عني لم أتخلَّ عنهم في مواقف كثيرة.. اسأل الاتحاديين عن ذلك، واسأل أمين أبو الحسن وغيره من رجال الاتحاد كيف كنت أقف إلى جوار النادي وأمد يد المساعدة قدر استطاعتي.
ثم صمت سموه قليلا وكأنه يستدرك ما هو أهم من كل ذلك ثم قال:
-اسأل أيضاً من كانوا في بيت باعشن يوم فاز الاتحاد بكأس الملك في إحدى السنوات؛ فقد حضرت معهم وشاركتهم الفرحة وخطبت فيهم وقدمت لهم التهنئة وتبرعت للنادي بعشرة آلاف ريال، وكان لهذا المبلغ في ذلك الوقت قيمة كبيرة.. ولكن للأسف في نفس هذه المناسبة سمعت من بعض الاتحاديين ما جعلني أقرر بعدها الابتعاد عن الاتحاد ليس كرها في النادي ولكني رفضت بعض الاتجاهات التي كان يسير فيها آنذاك.. ورغم كل ما حدث، ما زلت أحب نادي الاتحاد ككيان رياضي فقط كحبي لبقية أندية الوطن.”
• الاهلي.. العشق الكبير
-كان كلام الأمير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – صريحاً ومقتضباً في توصيف علاقته بنادي الاتحاد خلال تلك المرحلة المبكرة من عمر الرياضة السعودية.. فقد اعتبره الحب الأول الذي طرق باب قلبه.. غير أن تجاوب المحبوب في فترة لاحقة لم يخلُ من بعض المواقف والقناعات الفردية التي لم يكن يتوقعها من بعض المنتسبين للنادي والمحسوبين عليه، فآثر الابتعاد، واختار أن ينتصر لقيم النبل وسمو النفس، مكتفياً بالإبقاء على مساحة المحبة والاحترام بوصفه أحد الكيانات الرياضية الوطنية.

ولم يلبث أن تحول الحب بعدها إلى عشق كبير للنادي الأهلي.. النادي الذي بادله الحب بالحب فكان فيه الأمير عبدالله الفيصل القلب النابض والحضن الدافئ والرمز التاريخي لهذا النادي العريق.. ولنا مع هذا وقفات طويلة في حلقات أخرى.. لكني قبل ذلك سأستكمل في الحلقة المقبلة – بإذن الله – الحديث عن حقيقة علاقته بنادي الاتحاد وموقفه بعد الابتعاد وبعض الصور المضيئة والاحداث التي رواها لي مباشرة نخبة ممن عاصروا تلك المرحلة وعاشوا تفاصيلها عن قرب.



