إن قصة المملكة العربية السعودية ليست قصة اكتشاف موارد طبيعية فحسب، بل هي قصة نجاح في تحويل الثروة إلى بناء الإنسان، حتى أصبح المواطن السعودي الثروة الحقيقية للوطن. فمنذ توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – انطلقت مسيرة تنموية شاملة جعلت الاستثمار في الإنسان محورًا رئيسًا للتنمية.
فانتشرت المدارس والجامعات، وتوسعت برامج الابتعاث، وسُخّرت إمكانات الدولة لتأهيل الشباب وتمكينهم من خلال التدريب والتأهيل المهني، ودعم ريادة الأعمال، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير الفرص في القطاعات الواعدة. ونتيجة لذلك، برزت كفاءات سعودية من الجنسين في مختلف المجالات العلمية والبحثية والإدارية والمهنية، وأصبح الشباب السعودي شريكًا فاعلًا في التنمية، لا مجرد باحث عن وظيفة، ونموذجًا للكفاءة والطموح والقدرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
وقد أسهم هذا النهج في تعزيز عمق الولاء الوطني وترسيخ الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، من خلال الحرص المستمر على إعداد المواطن لمواجهة تحديات المستقبل. كما أتاحت برامج التنمية المتعاقبة فرصًا واسعة للنمو والتقدم، وبناء مستقبل قائم على المعرفة والابتكار، في ظل الأمن والاستقرار وتمكين الشباب والمرأة من المشاركة في التنمية وصناعة القرار والعمل في مختلف القطاعات، وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وقد أدركت القيادة السعودية أن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر إلى بناء الوطن، فنشأت علاقة ثقة راسخة بين القيادة والشعب، قوامها الإنجاز والعطاء والمسؤولية المشتركة. واليوم تتبوأ آلاف الكفاءات السعودية من الجنسين مواقع قيادية في الجامعات والشركات والمؤسسات الوطنية والدولية، ويؤدي الشباب السعودي أدوارًا مؤثرة في قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعة والسياحة.
وتتجلى كفاءة السعوديين في العديد من الشواهد الواقعية، وفي مقدمتها إدارة وخدمة الحرمين الشريفين واستقبال ملايين الحجاج والمعتمرين سنويًا، حيث اكتسبت المملكة خبرات عالمية متقدمة في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والأمنية والصحية، حتى أصبحت تجربة الحج السعودية نموذجًا عالميًا في التنظيم والإدارة.
كما حققت المملكة نجاحات اقتصادية وتنموية جعلتها صاحبة أكبر اقتصاد عربي، وأسهم المواطن السعودي في بناء قطاعات استراتيجية متنوعة تشمل النفط والطاقة المتجددة والتعدين والصناعات العسكرية والتقنية والاستثمار. وأصبحت المملكة مركزًا إقليميًا وعالميًا للأعمال والاستثمار، بما يعكس كفاءة الإنسان السعودي وقدرته على الإبداع والإنجاز.
وعلى الصعيد العلمي والأكاديمي، حققت الجامعات السعودية مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية، وأسهمت الكفاءات الوطنية في الأبحاث العلمية العالمية، مستفيدة من برامج الابتعاث والتأهيل التي أعدّت أجيالًا من الخبراء والمتخصصين. كما سجلت المرأة السعودية حضورًا بارزًا في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والإدارية، وأصبحت أحد أبرز مؤشرات التحول التنموي والاجتماعي في المملكة.
ومن أهم أسباب نجاح أبناء المملكة منظومة القيم التي أسهمت في بناء شخصية متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتتمثل في التمسك بالدين الإسلامي، واحترام الأسرة، وتقدير العلم، والولاء للوطن، والاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية.
وقد قدمت المملكة نماذج وطنية مشرفة تركت بصمات مؤثرة محليًا وعالميًا، من أبرزها الدكتور غازي القصيبي الذي جمع بين الفكر والأدب والإدارة والعمل الدبلوماسي، والدكتور عبدالله الربيعة الذي يُعد من أشهر جراحي فصل التوائم السيامية في العالم، والمهندس خالد الفالح الذي قاد مؤسسات وشركات ذات تأثير عالمي، والأستاذ ياسر الرميان الذي يقود أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم ويُعد من الشخصيات الاقتصادية المؤثرة دوليًا.
كما برزت نماذج نسائية سعودية متميزة، من بينها ريانة برناوي كأول امرأة سعودية وعربية مسلمة تصل إلى الفضاء، ومشاعل الشميمري المتخصصة في هندسة الطيران والفضاء، والدكتورة حياة سندي الرائدة في مجال التقنية الحيوية، ولبنى العليان إحدى أبرز القيادات الاقتصادية في العالم العربي، وسارة السحيمي التي تولت مناصب قيادية مؤثرة في القطاع المالي.
ومن هنا يحق للمملكة أن تفخر بأبنائها وبناتها، فهم أعظم استثمار حققته، وأجمل ثمار نهضتها التنموية. وما تحقق من إنجازات وطنية متواصلة هو ثمرة الرعاية الكريمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والدعم والقيادة الطموحة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وتميزًا للمملكة وشعبها.
* عضو هيئة تدريس سابق بقسم الاعلام – جامعة أم القرى
• مقيم في الولايات المتحدة الامريكية




