كتاب الرأي

اليوم الوطني … ماذا نفهم ؟

أصعب النعم إدراكًا هي تلك التي لا تغيب. نعرف قيمة الماء حين ينقطع، والصحة حين نمرض، والأمن حين يضطرب، لكن هناك نعمًا كبرى نعيش داخلها سنوات طويلة حتى نتوقف عن رؤيتها، وربما كان اليوم الوطني هو اللحظة التي ينبغي أن نتوقف فيها قليلًا، لا لنسأل فقط ماذا تحقق لهذا الوطن، بل لنتذكر كيف بدأت الحكاية، وماذا كان يمكن أن تكون عليه حياتنا لو لم تتوحد هذه الأرض، ولم تقم عليها دولة صنعت الأمن، ثم بنت فوقه تنمية امتدت إلى الإنسان والمكان.

فاليوم الوطني ليس مجرد ذكرى لتوحيد أرض، ولا مناسبة تملأ فيها الأعلام شوارع المدن، بل ذكرى ولادة وطن، فالتوحيد صنع الاستقرار، والاستقرار أتاح التنمية، والتنمية فتحت أبواب التعليم والصحة والعمل والاقتصاد، وكان الإنسان في النهاية غاية هذا البناء كله.

ولهذا فإن السؤال الأهم في اليوم الوطني ليس: كيف نحتفل؟ بل: هل ما زلنا ندرك قيمة ما نحتفل به؟

نغلق باب المنزل كل صباح ونخرج مطمئنين، نذهب إلى أعمالنا، ونوصل أبناءنا إلى مدارسهم، ونسافر بين مدن وطننا، ثم نعود في المساء إلى بيوتنا آمنين. نفعل ذلك مئات المرات حتى يبدو أمرًا عاديًا وكأنه حق مضمون من حقوق الحياة.

لكنه ليس أمرًا عاديًا … أن يعود ابنك أو ابنتك إلى المنزل سالمين نعمة، وأن تنام مطمئنًا على بيتك وأهلك ومالك نعمة، وأن تقطع مئات الكيلومترات فلا يشغلك إلا موعد الوصول، لا الخوف مما قد يعترض طريقك، نعمة عظيمة ربما لا نشعر بحجمها لأننا ولدنا داخلها.

والإنسان بطبيعته يعتاد النعم، فما يتكرر أمامه يتحول مع الوقت من نعمة تستحق الامتنان إلى شيء يظنه حقًا مكتسبًا، ولعل الأمن أعظم هذه النعم؛ فهو ليس نعمة بين النعم فحسب، بل الوعاء الذي تحفظ داخله بقية النعم، ولهذا جاء في القرآن: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾. فلا تنمية تستقيم إذا اضطرب الأمن، ولا أسرة تستطيع أن تخطط لغد أبنائها وهي مشغولة بسلامة يومها.

ومن هنا نفهم اليوم الوطني بصورة أعمق، فنحن لا نحتفل بتاريخ في التقويم، وإنما نستعيد قصة الوحدة التي جعلت الأمن ممكنًا، والأمن الذي جعل التنمية ممكنة، فالطريق الذي يصل قرية بمدينة تنمية، والمدرسة التي تفتح أبوابها لطفل تنمية، والمستشفى الذي يحفظ حياة إنسان تنمية، والجامعة التي تصنع المعرفة تنمية، وفرصة العمل التي تمنح الإنسان كرامته تنمية، والتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالمباني والمشروعات وحجم الاقتصاد، وإنما بما تضيفه إلى حياة الإنسان وأمنه وكرامته ومستقبله.

نحمد الله أولًا وآخرًا على ما أنعم به علينا من أمن وعافية واستقرار، ثم من الوفاء أن نشكر قيادة هذه البلاد وحكومتها وكل من يعمل في مؤسسات الدولة للمحافظة على هذه النعمة، فخلف الطريق الذي نسلكه مطمئنين أجهزة تعمل، وخلف الحدود رجال يسهرون، وخلف أمن المدن والمطارات والموانئ مؤسسات، وخلف مواجهة الجريمة والمخدرات والإرهاب عمل قد لا نرى معظمه، وأجمل مفارقات الأمن أن نجاحه يجعلنا لا نشعر بحجم الجهد المبذول من أجله؛ لأن أعلى درجات نجاحه أن نعيش حياتنا دون أن ننشغل بالخوف.

لكن اليوم الوطني لا ينبغي أن يكون يومًا لشكر الدولة وحدها، بل يومًا نسأل فيه أنفسنا: ماذا قدمنا نحن لهذا الوطن؟

فالشكر ليس كلمات، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾. احترام النظام شكر، والمحافظة على الممتلكات العامة شكر، والإخلاص في العمل شكر، وعدم نشر الشائعات شكر، وحماية الأبناء من المخدرات والانحراف شكر، وهنا تلتقي الوطنية بالتنمية؛ فالدولة تستطيع أن تبني المدرسة والمستشفى والطريق والجامعة، لكن الإنسان هو الذي يمنحها قيمتها ويحافظ عليها، ولهذا فإن بناء المكان لا يكتمل دون بناء الإنسان.

والانتماء ليس ما نقوله عن الوطن في يومه، بل ما نفعله من أجله بقية أيام السنة، والولاء امتداد طبيعي لهذا الانتماء، ولا تظهر قيمته الحقيقية في أيام الرخاء وحدها، بل عندما يتعرض الوطن للخطر، ونحن نعيش في منطقة مضطربة تتقاطع فيها الصراعات والمصالح، وقد تعرضت المملكة لاعتداءات وتهديدات استهدفت أمنها ومدنها ومنشآتها ومقدراتها، وفي مثل هذه الظروف لا يعود الولاء شعورًا نحمله في القلب، بل يصبح موقفًا ومسؤولية وأمانة.

وتتضاعف مسؤوليتنا في حماية أمن الوطن ومعلوماته، فالصورة التي تنشر بلا وعي، أو المعلومة عن موقع حساس، أو حركة منشأة، أو إحداثية جغرافية، قد تبدو معلومة عابرة، لكنها قد تتحول في زمن الصراع إلى معلومة يستفيد منها عدو ، حماية المعلومة جزء من حماية الأرض، والوعي بما ننشره أصبح جزءًا من الأمن الوطني.

أما من يتعمد، لا قدر الله، أن يمد عدو وطنه بمعلومة تساعده على الإضرار بأمن الناس أو مقدرات البلاد، فإنه لا يخون موقعًا أو مؤسسة، بل يخون وطنًا؛ يخون الجندي الذي يحرس حدوده، والأسرة التي تنام مطمئنة، والطفل الذي يذهب إلى مدرسته. وهنا يظهر الفارق بين النقد الذي يريد الإصلاح والخيانة التي تعين الخصم، وبين حرية الرأي وتسليم معلومة يمكن أن يستخدمها عدو لإيذاء وطنك.

فالوطن ليس فندقًا نسكنه ما دامت خدماته جيدة، ولا علاقة مصلحة تنتهي حين تتغير الظروف؛ الوطن أرض وهوية وأهل وتاريخ ومستقبل، ومن الوفاء أن نقف صفًا واحدًا خلف وطننا وقيادته عندما تتعرض البلاد للخطر، وأن نختلف في شؤون حياتنا كما نشاء، لكن ألا نختلف على أمن الوطن وسيادته وسلامة أراضيه، فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا مواطن يعرف أين يقف عندما تُختبر بلاده.

ولعل أهم ما نفعله في اليوم الوطني أن ننقل هذا المعنى إلى أبنائنا، حين يحمل الطفل العلم، يجب ألا يرى قطعة قماش خضراء فحسب، بل قصة وطن وتضحيات أجيال وأمانة انتقلت إليه، فما يراه اليوم طبيعيًا من أمن وتعليم وصحة وطرق وفرص هو ثمرة بناء طويل، ومسؤوليته ألا يكتفي بالاستفادة منه، بل أن يحافظ عليه ويضيف إليه.

فاليوم الوطني ليس مجرد ذكرى لما صنعه السابقون، بل سؤال عما سنصنعه نحن لمن سيأتون بعدنا، هناك جيل وحّد، وأجيال بنت، وجيل يعيش اليوم ثمرة ذلك البناء، وأجيال قادمة من حقها علينا أن نسلّمها وطنًا أقوى وأكثر أمنًا وازدهارًا.

حين يرتفع العلم في اليوم الوطني، فلنرفعه فرحًا، ولكن لنرفعه أيضًا امتنانًا ومسؤولية وعهدًا؛ فالحمد يبني الامتنان، والامتنان يبني الانتماء، والانتماء يبني الولاء، والولاء يتحول إلى عمل، والعمل يبني التنمية.

وعندما يتحول حب الوطن إلى عمل، والمحافظة على نعمته إلى مسؤولية، وحماية أمنه إلى أمانة، لا يعود اليوم الوطني يومًا واحدًا نحتفل فيه بما تحقق، بل يصبح عهدًا يتجدد كل عام: أن نحفظ الوطن، ونبني الإنسان، وننمي المكان، ونقف مع وطننا وقيادته حين يُختبران، وأن نترك لمن بعدنا وطنًا أفضل وأقوى وأكثر أمنًا مما وجدناه.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى