المقالات

في يوم الوطن.. الكلمة موقف

يأتي اليوم الوطني فتتجدد معه فرحتنا بوطننا، ومن حقنا أن نفرح، ونرفع العلم، ونردد النشيد، ونستعيد قصة وطن لم يُبنَ بالشعارات، وإنما بالإرادة والتضحيات والعمل.

وهي مناسبة يفتخر بها كل سعودي، ويعتز بها كل عربي ومسلم غيور؛ فهذه البلاد أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ووطن له ثقله العربي والإسلامي ومكانته السياسية والاقتصادية.

لكن الوطن ليس مناسبة سنوية نرتدي لها الأخضر ثم نطويه مع الأعلام حتى العام المقبل. الوطنية مسؤولية يومية، وتكبر هذه المسؤولية عندما تمر المنطقة بظروف مضطربة، وحين تصبح الكلمة والصورة والمعلومة والشائعة أدوات مؤثرة في تشكيل الرأي العام.

ومن هنا تصبح مسؤولية الكلمة جزءًا من مسؤوليتنا تجاه الوطن، خصوصًا لمن يملكون المنابر والأقلام والجمهور. ففي الأزمات يحتاج الوطن إلى الكلمة الواعية، والمعلومة الصحيحة، والرأي الذي يفنّد الشائعة ويكشف التضليل.

ومن يملك قلمًا حاضرًا في كل قضية، لا ينبغي أن يغيب عندما تكون القضية وطنه.

وقد يقول قائل: الأزمات تنتهي، والعلاقات تتغير، والمياه تعود إلى مجاريها، فلماذا لا ننتظر؟

نعم، قد تعود المياه إلى مجاريها، لكن السؤال الذي يبقى: أين كان موقفك عندما كانت المياه مضطربة؟

قيمة الكلمة تظهر في وقتها، لا بعد انتهاء الأزمة. وهذا لا يعني المبالغة أو التخلي عن المهنية؛ فالوطن أكبر من أن يحتاج إلى معلومة غير صحيحة للدفاع عنه. المطلوب أن نحضر بالحقيقة، ونناقش بالحجة، ونفنّد بالمعلومة.

فالحياد المهني قيمة، لكن الصمت شيء آخر.

والأزمات لا تختبر الأقلام وحدها، بل تعلمنا أيضًا كيف نقرأ السياسة وعلاقات الدول. فالجغرافيا وحدها لا تصنع المواقف، والقرب في المسافة لا يعني دائمًا تقارب المصالح، وعبارات الأخوة والجوار تبقى عزيزة، لكن المواقف هي التي تختبرها.

السياسة مدرسة قاسية، والدول تتحرك وفق مصالحها. قد تتقاطع المصالح اليوم وتختلف غدًا، وقد يأتيك موقف لم تتوقعه ممن ظننته الأقرب. لذلك نحتاج إلى ذاكرة تقرأ المواقف كما حدثت، لا كما تمنينا أن تحدث.

ولا حاجة إلى تسمية أحد؛ فالمواقف أبلغ من الأسماء.

وليس المقصود صناعة خصومات أو تحويل الخلاف السياسي إلى عداء بين الشعوب. العلاقات تتغير والخلافات تنتهي، وقد تعود أفضل مما كانت. نتعاون ونتجاوز ونفتح أبواب المستقبل، لكننا نتعلم أيضًا؛ لأن عودة العلاقات لا تعني فقدان الذاكرة.

والإنصاف يقتضي ألا نختصر الشعوب في تغريدة أو حساب أو أصوات غاضبة. فالأزمات قد لا تصنع المواقف، لكنها كثيرًا ما تكشفها.

أما المواطن، فقد أصبح اليوم أحد أهم خطوط الدفاع عن وطنه في معركة الوعي. بعض المعارك تدخل إلى منزلك من شاشة هاتفك؛ سلاحها خبر، وذخيرتها شائعة، وميدانها وسائل التواصل.

ولهذا، لا تكن ـ بحسن نية ـ جنديًا مجانيًا في جيش الشائعة.

قبل أن ترسل خبرًا اسأل عن مصدره، وقبل أن تنشر مقطعًا تحقق من تاريخه وسياقه. وكلمة «منقول» لا تحول الكذب إلى حقيقة، ولا تعفي ناشره من المسؤولية.

ومن المفارقات أن يغضب أحدنا من حساب خارجي أساء إلى وطنه، ثم يأخذ الإساءة نفسها وينشرها بين آلاف السعوديين قائلًا: «انظروا ماذا يقولون عنا!».

هو قالها مرة.. ونحن تكفلنا بالتوزيع!

الوطن يحتاج إلى المواطن الواعي أكثر من حاجته إلى المواطن المنفعل؛ من يعرف متى يتحدث، ومتى يرد، ومتى يتجاهل، والأهم: متى يمتنع عن النشر. فبعض الإساءة تموت إذا تجاهلتها، وبعض الحسابات لا تبحث عن الحقيقة، وإنما عن غاضب يمنحها الانتشار.

وفي اليوم الوطني سنرفع العلم، ونلبس الأخضر، ونفرح ونردد النشيد. وهذا حقنا وهذا يومنا.

لكن الوطنية الحقيقية تستمر بعد انتهاء الاحتفالات؛ عندما يعود المعلم إلى فصله، والطبيب إلى عيادته، والعسكري إلى موقعه، والموظف إلى مكتبه، والإعلامي إلى قلمه، والمواطن إلى هاتفه.

هناك يستمر اختبار الانتماء.

فالوطن لا يحتاج فقط إلى من يرفع علمه في يومه، بل إلى من يحافظ على أمنه ومكتسباته، ويحمي وعي مجتمعه في بقية أيام العام.

لقد علمتنا الأحداث أن الخصم قد يأتي من بعيد، وأن المصالح قد تفاجئنا من قريب، وأن أخطر ما يمكن أن نواجهه أن نكون نحن بوابة لما يريد الآخرون تمريره إلينا.

فلنفرح بوطننا كما يليق به، ولنرفع رايته عاليًا، ولنتذكر أن الراية التي نرفعها في يوم واحد تحتاج منا إلى موقف يحميها طوال العام.

نحمي وطننا بعملنا، ووعينا، وكلمتنا، وقدرتنا على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين العاطفة والمصلحة، وبين الحياد المهني والصمت.

فحب الوطن فرحة في يومه.. ومسؤولية في كل أيامه.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى