في اليوم الوطني تمتلئ المملكة بالأخضر، وتلتقط الكاميرات وطنًا في لحظة وصوله: مدينة اتسعت، وطريق امتد، ومشروع اكتمل، ومنصة عالمية يرتفع فوقها العلم. الصورة تحفظ لحظة الوصول، وشعار اليوم الوطني السادس والتسعين يأخذنا إلى ما سبقها: «عزّنا بطبعنا». فالطبع يتكوّن طويلًا في الظل، ثم يظهر في الصورة كأنه وُلد فيها.
هذا العام، ومع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، عاد خط الشرق–الغرب إلى واجهة المشهد. يمتد الخط نحو 1200 كيلومتر عبر المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، وكان ينقل قبل توقفه الأخير ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يوميًا، فيما تصل طاقته القصوى إلى نحو سبعة ملايين. وفي سبتمبر أصاب هجوم ثلاثًا من محطات ضخه، فتوقف مؤقتًا.
بُني الخط في الثمانينيات، قبل أن يعرف أحد شكل الأزمة التي ستحتاجه بعد عقود. مرّت السنوات وهو يحمل النفط، ويحمل معه شيئًا آخر يصعب وضعه في برميل: الخيار. فالطريق الثاني يبدو أقل إثارة ما دام الأول مفتوحًا، ثم تضيق الجغرافيا فيتسع معنى الطريق. بعض الاستثمارات تُبنى في زمن السعة، وتُعرف قيمتها في زمن الضيق.
والأزمة التي كشفت قيمة الخط اختبرته هو نفسه. فالطريق الذي منح المنظومة مرونة أصبح موضع اختبار، وكل اختبار يكشف قدرة ويكشف معها الحلقة التالية التي تستحق أن تصبح أقوى. فالاستعداد للمستقبل مشروع لا يعرف افتتاحًا أخيرًا.
والخيار الذي يُبنى من الحديد يُبنى من الخبرة أيضًا. في 2015 كان صندوق الاستثمارات العامة يدير نحو 150 مليار دولار، وبنهاية 2025 تجاوزت أصوله المدارة 900 مليار دولار، فيما تضاعف صافي الربح خلال العام إلى نحو 17 مليار دولار. ومع دخوله استراتيجية 2026–2030، انتقل التركيز من مرحلة النمو المتسارع إلى تحقيق القيمة، ورفع كفاءة الاستثمار، وتعظيم العوائد طويلة الأجل.
في البداية يسأل الطموح: كم نستطيع أن نبني؟ وبعد عشر سنوات تسأل الخبرة: أين نصنع القيمة الأكبر؟ بين السؤالين تراكمت شركات وقطاعات واستثمارات، وتراكم معها أصل يصعب أن يظهر كاملًا في رقم الأصول: ذاكرة القرار. معرفة تشكلت من التجربة، وقراءة الأسواق، وإعادة الحساب مع تغير الفرضيات، وآلاف القرارات التي تجعل القرار التالي أكثر نضجًا. فالمال يوسع مساحة الاختيار، والخبرة تجعل الاختيار أذكى.
وفي يوليو، وقف ستة طلاب سعوديين بين 666 طالبًا يمثلون 117 دولة في الأولمبياد الدولي للرياضيات في شنغهاي، وعاد الستة بثلاث ميداليات فضية وثلاث برونزيات، في أفضل نتيجة للمملكة منذ بدء مشاركتها عام 2004. التقطت الكاميرا ستة طلاب، وست ميداليات، وعلمًا أخضر في قاعة بعيدة. تلك كانت الثمرة. وخلفها عام كامل من الإعداد المكثف والتدريب والمعسكرات بإشراف «موهبة» وبالشراكة مع وزارة التعليم.
يعود الطالب بعقل اختُبر أمام أفضل أقرانه، والمدرب بخبرة أعمق، والبرنامج بمعرفة جديدة، ويشاهد جيل أصغر أبناء وطنه فوق المنصة فيتسع أمامه سقف الممكن. هكذا يصبح الفوز قدرةً على الفوز مرة أخرى.
أنبوب سبق الحاجة إليه، ومؤسسة تعلمت وهي تنمو، وطلاب بدأ إعدادهم قبل التتويج. ثلاث حكايات تقود إلى سؤال أراه جديرًا بمرحلة كاملة من تاريخنا: ماذا أصبحت المملكة قادرة على فعله اليوم، مقارنة بما كانت قادرة على فعله قبل عشر سنوات؟
فنحن نحسن عدّ المنجزات: طول الطريق، وحجم الاستثمار، وطاقة المصنع، وعدد الوظائف، وقيمة الصادرات، وعدد الميداليات. هذه الأرقام تخبرنا أين وصلنا، والسؤال الأعمق يبحث عما تراكم فينا ونحن نصل.
في هندسة النظم هناك فرق بين التدفق والمخزون؛ التدفق يخبرنا بما تحقق خلال فترة، والمخزون يخبرنا بما أصبح لدينا. الإنجاز تدفق، والقدرة مخزون.
وقبل يومين من هذا اليوم الوطني، كُشف عن أولى سيارات «سير». ما تراه العين سيارة صُممت وهُندست في المملكة وستُصنّع فيها، وخلفها مصنع وموردون ومهندسون ومعرفة ومنظومة صناعية تتشكل حول قطاع كامل.
المنجز أن تخرج سيارة سعودية إلى العالم. والتحول أن تصبح صناعة السيارة نفسها قدرةً سعودية.
فالمشروع الذي يترك خلفه مهندسًا أكثر خبرة، وموردًا محليًا أكثر جاهزية، ومؤسسة أسرع في القرار، ومعرفة تنتقل إلى مشروع آخر، يواصل أثره بعد انتهاء صور الافتتاح. نحتفل بالمنجز عندما يصل، ونبدأ الطريق التالي بما تراكم فينا.
بهذا المعنى يصبح «عزّنا بطبعنا» أعمق من شعار مناسبة. فالطبع نفسه مخزون أمة. ما نسميه همةً في الإنسان يظهر مبادرةً في المؤسسة، وما نسميه رؤيةً يظهر خيارًا يُبنى قبل الحاجة إليه، وما نسميه أصالةً يمنح التحول جذورًا يعرف بها نفسه وهو يتقدم. العز يتجاوز ما نملك إلى الطريقة التي نبني بها ما نملك.
فالمشروع يكتمل، والطريق يصل، والاستراتيجية تدخل مرحلة جديدة، والميدالية تجد مكانها على الرف، والسيارة تغادر خط الإنتاج. ويبقى في الوطن شيء من كل واحد منها: قدرة. قدرة على بناء المشروع التالي، واتخاذ القرار التالي، وتجاوز الأزمة التالية، وإعداد الجيل التالي.
قبل ستة وتسعين عامًا جمع الملك عبدالعزيز -رحمه الله- هذه البلاد تحت راية واحدة. ومنذ ذلك اليوم يأخذ كل جيل شيئًا ممن سبقه ويضيف إليه. جيل مدّ طريقًا عبر الصحراء، وجيل وجد فيه خيارًا عند الأزمة. جيل أسس مؤسسة، وجيل وسّعها، وجيل آخر سيتسلمها وهو يبدأ من خبرة أطول. وطالب يعود اليوم بميدالية، وقد يصبح بعد سنوات باحثًا أو أستاذًا أو مدربًا يضع طالبًا آخر فوق منصة أبعد.
كل جيل يسلّم الذي بعده نقطة بداية أبعد. فالأمم تحسب أعمارها بالسنوات، وتقرأ نضجها في المسافة بين ما كانت تستطيع فعله وما أصبحت تستطيع فعله. ولهذا يمتد السؤال عن 2030 إلى اليوم الذي يليها: ماذا سيبقى فينا بعد أن نصل؟ وأي نقطة بداية سيجدها الجيل القادم أمامه؟
ستبقى طرق ومصانع وشركات وأصول، وسيبقى ما تعلمناه ونحن نبنيها، ومن أصبح أقدر على البناء بعدها.
في ذكرى اليوم الوطني، بينما تمتلئ المملكة بالأخضر، سيبقى كثير من العمل خارج الصورة. في مختبر، مهندس يختبر فكرة. وفي ورشة، فني يتقن مهارة جديدة. وفي قاعة درس، طالب يحاول حل مسألة استعصت عليه. وفي مؤسسة، فريق يعيد حساب قرار بعد تجربة أضافت إلى معرفته.
تفاصيل صغيرة، متفرقة، هادئة. وقد يكون بينها شيء ستحتاجه المملكة يوم تتغير الخريطة مرة أخرى. سيكبر بعيدًا عن عدسة هذا العيد، ثم يأتي يوم يدخل فيه الإطار، ويبدو لمن يراه كأنه وُلد في تلك اللحظة، والحكاية بدأت قبلها بسنوات.
ذلك هو «عزّنا بطبعنا»: أن يترك كل إنجاز في الوطن قدرةً أكبر من الإنجاز نفسه، وأن يسلّم كل جيل لمن بعده نقطة بداية أبعد.
فالصورة التي نحتفل بها اليوم تحفظ ثمرة وصلت، وخلفها تنمو منذ الآن صورة لم نلتقطها بعد.

