المقالات

يا فرحة ما تمّت… خذها الغراب وطار.

لسنوات، عملت إدارة إحدى الشركات الخاصة جداً!! على إعداد مشروع كادر جديد، مشروع لم يكن مجرد تعديل عابر في الرواتب أو المزايا، بل كان يحمل في تفاصيله إعادة رسم واسعة لخريطة الامتيازات المالية داخل الشركة، خصوصاً في مستوياتها الإدارية العليا ومواقعها القيادية والاستشارية. ومع مرور الوقت، أصبح واضحاً أن المشروع المنتظر يعني الكثير بالنسبة إلى شريحة من المسؤولين الكبار في مختلف الوحدات الإدارية والاستشارية. فالمواقع لم تعد مجرد مسميات وصلاحيات ومسؤوليات، وإنما أصبحت – في ظل ما كان يحمله الكادر المقترح – بوابات إلى زيادات ومزايا مالية متفاوتة، تتسع كلما ارتفع الموقع في السلم الإداري.

وهنا بدأت علامات الاستفهام؟!! فهل كان المشروع يهدف أولاً إلى بناء نظام أكثر عدالة وكفاءة لجميع العاملين في الشركة، أم أن تصميمه منح المستويات العليا نصيباً من المزايا يفوق بكثير ما سيصل إلى بقية الموظفين؟ فالعدالة لا تعني أن يتساوى الجميع في كل شيء، ومن الطبيعي أن تكون للمسؤولية الإدارية تبعاتها ومقابلها. لكن عندما تصبح الفجوة في المزايا كبيرة إلى درجة تثير التساؤل عن تناسبها مع حجم المسؤولية والجهد الفعلي، يصبح من حق العاملين أن يسألوا: هل صُمم الكادر لخدمة الشركة بكل مستوياتها، أم أن قمة الهرم كانت المستفيد الأكبر منه؟ ولم تقف علامات الاستفهام عند حدود الأرقام والبدلات والمزايا المقترحة، بل امتدت إلى ما شهدته الشركة في الفترة الأخيرة من تغييرات وتسكين لبعض الأشخاص على رأس عدد من القطاعات والإدارات والوحدات، في توقيت تزامن مع انتظار الكادر الجديد وما كان سيحمله من مزايا مالية متفاوتة بحسب المواقع والمستويات الإدارية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل كانت تلك التعيينات والتسكينات والتنقلات جزءاً طبيعياً من احتياجات العمل، أم أنها – بقصد أو من دون قصد – أعادت ترتيب خريطة المستفيدين قبل وصول الكادر المنتظر؟ فإذا كان الجلوس على كرسي إدارة معينة سيترتب عليه، وفق الكادر المقترح، زيادة أكبر ومزايا أفضل، فإن كل حركة سبقت تطبيقه تستحق أن توضع تحت ضوء الشفافية: من اختير؟ ومن نُقل؟ ومن بقي؟ ومن صعد؟ وعلى أي أساس؟ وهل كانت معايير المفاضلة معلنة ومطبقة على الجميع؟ وتزداد الصورة إثارة للتساؤل مع احتفاظ عدد من المتعاقدين القادمين من خارج الوطن بمواقعهم الإدارية، في الوقت الذي فقد فيه مواطنون يحملون مؤهلات مماثلة مواقع كانوا يشغلونها، وجرى توجيههم إلى أعمال ومواقع ستكون – وفق الكادر المقترح – أقل استفادة من حيث الزيادات والمزايا مقارنة بالإدارات التي نُقلوا منها.

وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال عن جنسية هذا أو ذاك، وإنما عن المعيار. إذا كانت الكفاءة هي المعيار، فلتكن معايير الكفاءة واضحة للجميع. وإذا كانت الخبرة هي الفيصل، فلتكن سنوات الخبرة والإنجازات قابلة للمقارنة. وإذا كانت حاجة العمل هي السبب، فمن حق العاملين أن يفهموا كيف قُدّرت تلك الحاجة، ولماذا انتهت إلى بقاء أشخاص في مواقعهم، وصعود آخرين، وإبعاد غيرهم إلى مواقع أقل استفادة من المشروع المنتظر. فالعدالة لا تتحقق بمجرد القول إن «المزايا مرتبطة بالمنصب»، لأن هناك سؤالاً يسبق ذلك كله: ومن الذي قرر مَن يجلس على هذا المنصب أصلاً؟ لا معنى لعدالة سلم المزايا إذا لم تصاحبها عدالة وشفافية في سلم الوصول إلى المناصب التي تمنح تلك المزايا.

والأكثر إيلاماً لمن طالتهم تلك القرارات أن المسألة لم تكن مجرد تغيير مكتب أو مسمى وظيفي؛ فانتقال الموظف من إدارة إلى أخرى كان يمكن، في ظل الكادر المنتظر، أن يعني انتقاله أيضاً من مستوى مالي إلى مستوى أدنى، وبالتالي فإن قراراً إدارياً يبدو عادياً على الورق كان يمكن أن تكون له آثار مالية مستقبلية مباشرة على صاحبه. وهكذا اكتملت ملامح مشهد غريب: مسؤولون كبار في قطاعات ووحدات إدارية واستشارية ينتظرون كادراً جديداً، مواقع إدارية أعيد ترتيب بعضها، أشخاص احتفظوا بكراسيهم، آخرون صعدوا إلى كراسٍ جديدة، وغيرهم غادروها، وفي الخلفية مشروع طال انتظاره سيجعل لبعض تلك الكراسي قيمة مالية أكبر بكثير من غيرها. وبعد سنوات من العمل والإعداد والدراسة، ربما ظن القائمون على المشروع أن أصعب المراحل قد انتهت، وأن ما بقي ليس سوى الضوء الأخضر الأخير. لكنهم نسوا أن هناك طاولة أخرى لم تُحسم عندها الأمور بعد: طاولة مجلس الإدارة. وهناك تغير المشهد. فالمشروع الذي عملت عليه الإدارة طويلاً، وانتظر ثماره مسؤولون وقيادات في مستويات إدارية واستشارية متعددة، وصل إلى مجلس إدارة الشركة… فلم يوافق عليه.

وهنا تكمن المفارقة التي ربما تكون أكثر بلاغة من أي تعليق. سنوات من الإعداد، وأرقام حُسبت، ومزايا انتُظرت، وكراسٍ ازدادت أهميتها، ومواقع تبدلت، وترتيبات إدارية سبقت المشروع… ثم جاء مجلس الإدارة ليقول: لا.

وبقرار واحد، تبددت فرحة مشروع انتظره المستفيدون طويلاً. ولعل مجلس الإدارة، برفضه المشروع، أعاد إلى الواجهة سؤالاً كان ينبغي أن يُطرح منذ البداية: هل المطلوب كادر يحقق مصلحة الشركة والعاملين فيها بصورة متوازنة، أم كادر تتضخم مكاسبه كلما اقترب صاحبه من قمة الهرم الإداري؟ إن الميزة التي لا تستطيع الشركة تفسير عدالتها أمام موظفيها تستحق المراجعة، والراتب الاستثنائي يحتاج إلى قيمة استثنائية تقابله، والمنصب الذي يمنح صاحبه امتيازات كبيرة يجب أن تكون طريقة الوصول إليه أكثر شفافية، لا أقل.

أما أجمل مفارقات الحكاية، فهي أن كل تلك الحسابات والترتيبات انتهت عند باب لم يكن مفتاحه في يد الإدارة التنفيذية ولا القيادات ولا المستشارين. كان المفتاح في يد مجلس الإدارة. فكأن المائدة أُعدت، والكراسي رُتبت، وأماكن الجلوس حُددت، وكل واحد عرف تقريباً أين سيكون موقعه وما الذي ينتظره… ثم، وقبل أن تصل الأطباق، دخل صاحب القرار وقال: ارفعوا المائدة. وعندها لم يبق لوصف المشهد كله أبلغ من المثل الشعبي:
يا فرحة ما تمّت… خذها الغراب وطار.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى