المقالات

بيان هيئة كبار العلماء ومسؤولية الموقف العربي والإسلامي تجاه اعتداءات الحوثيين

في القضايا التي تمس أمن الأوطان وحرمة المقدسات وأرواح الأبرياء، لا تُقاس قوة المواقف بكثرة البيانات، وإنما بوضوحها ودقة توصيفها للأحداث وتحديد المسؤوليات. فحين تتعرض الدول لاعتداءات الجماعات المسلحة، يصبح الغموض في الخطاب مدعاة للتساؤل، وتتعاظم مسؤولية المؤسسات الدينية والسياسية في قول الكلمة الواضحة التي لا تحتمل التأويل أو توظيفها لتبرير العدوان. من هنا تبرز أهمية بيان الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، الذي أدان ممارسات ميليشيا الحوثي الإرهابية، وما تقوم به من استهداف للمدنيين وزعزعة للأمن والاعتداء على الآمنين، وما أشار إليه من محاولات آثمة لاستهداف الحرمين الشريفين، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل إرهاباً بكل المقاييس، وأن خطرها لا يقل عن خطر التنظيمات المتطرفة كداعش والقاعدة، بل يزيد عليها في الإفساد والعدوان على المسلمين.

لقد جاء البيان واضحاً في توصيف الأفعال وإدانتها، مؤكداً أن حرمة الدماء والمقدسات ليست محل مساومة، وأن الاعتداء على الأبرياء لا تبرره الشعارات السياسية أو الدينية، وأن مسؤولية العلماء لا تقتصر على الدعوة إلى السلام، بل تشمل بيان الحق والتحذير من العدوان وآثاره على أمن المجتمعات واستقرار الدول. ولعل من أبرز ما يميز هذا البيان وضوحه في تسمية الأفعال وإدانتها، بعيداً عن العبارات العامة التي قد تضيع معها المسؤوليات، وتتساوى في ظاهرها مواقف لا تتساوى في حقيقتها. وهنا تبرز قضية تستحق التأمل في بعض الخطابات الدينية العربية التي تتناول الصراعات المسلحة؛ إذ قد يطغى الحرص على التهدئة وتحكيم لغة الحوار على ضرورة التمييز بين الحكومات المعترف بها دولياً والجماعات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، فتأتي الدعوات موجهة إلى «جميع الأطراف» بضبط النفس، دون تحديد واضح للمسؤولية عن الاعتداءات، أو الإشارة إلى الجهات التي تسهم في استمرار النزاعات.

ولا خلاف على أن الحوار ضرورة، وأن حقن الدماء مقصد شرعي وإنساني عظيم، لكن الدعوة إلى الحوار لا ينبغي أن تتحول إلى مساواة بين المراكز القانونية للأطراف، أو أن تُفهم باعتبارها إضفاءً للمشروعية على استخدام السلاح خارج مؤسسات الدولة. فالمؤسسات الدينية الكبرى، بما لها من مكانة وتأثير، مطالبة بأن تكون دقيقة في عباراتها؛ لأن الغموض، وإن صدر بحسن نية، قد تستغله الجماعات المسلحة لتبرير ممارساتها. فالعدل لا يعني المساواة في العبارات، وإنما الإنصاف في تحديد المسؤوليات، وإدانة الاعتداء أياً كان مرتكبه. وإذا كان بيان هيئة كبار العلماء قد أكد وضوح الموقف الشرعي، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم: أين الدور العربي والإسلامي المؤسسي في مواجهة الجماعات المسلحة، وفي مطالبة الدول والكيانات التي تدعمها بالمال والسلاح والتدريب والغطاء السياسي بالتوقف عن هذه الممارسات؟

إن مسؤولية جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية لا ينبغي أن تقف عند حدود بيانات الإدانة والاستنكار، بل تتطلب تحركاً جماعياً واضحاً يطالب الدول والجهات التي يثبت تقديمها دعماً عسكرياً غير مشروع لهذه الجماعات بالتوقف الفوري، والكف عن التدخلات التي تهدد سيادة الدول وتطيل أمد الحروب وتضاعف معاناة الشعوب. فلا يمكن الحديث عن سلام مستدام بينما تستمر تدفقات السلاح والتمويل غير المشروع إلى الجماعات المسلحة، ولا يمكن المطالبة بإنهاء النزاعات دون معالجة الأسباب التي تساعد على استمرارها، أو تجاهل الجهات الخارجية التي تغذي الصراعات وتستفيد من إطالة أمدها. ومن هنا، فإن جامعة الدول العربية مطالبة بتفعيل أدواتها السياسية والدبلوماسية لحماية سيادة الدول الأعضاء، وتنسيق المواقف تجاه التدخلات الخارجية، والمطالبة بمساءلة الجهات المتورطة في تمويل الجماعات المسلحة وتسليحها بصورة غير مشروعة، وفق الأدلة والآليات القانونية المعتمدة.

أما منظمة التعاون الإسلامي، فإن مسؤوليتها تتضاعف عندما يتعلق الأمر بأمن الحرمين الشريفين، اللذين يمثلان مكانة مقدسة لدى المسلمين جميعاً. ومن واجبها تعزيز موقف إسلامي مشترك يرفض أي تهديد للمقدسات، ويؤكد أن أمنها لا يجوز أن يكون موضع مساومة أو تجاذب سياسي. ويأتي مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مقدمة المؤسسات المعنية بتعزيز التنسيق الأمني والدبلوماسي، نظراً للترابط الوثيق بين أمن دوله واستقرار المنطقة، وأهمية توحيد المواقف تجاه الجماعات المسلحة والجهات التي تدعم أنشطتها العدوانية. ولا يقتصر الأمر على اليمن وحده، بل يمتد إلى السودان وسائر الدول العربية التي تعاني من انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، والتدخلات الخارجية التي تعقد النزاعات وتضاعف معاناة المدنيين. فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكم الموقف العربي واحد: حماية سيادة الدول، وصيانة أرواح الأبرياء، ورفض الدعم العسكري غير المشروع، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات دون انتقائية، مع التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني.

إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من البيانات التي تتكرر فيها عبارات القلق والدعوة إلى ضبط النفس فحسب، وإنما مواقف واضحة، ومبادرات عملية تعالج أسباب استمرار الحروب، وجهود مشتركة توقف التدخلات غير المشروعة وتحمي حق الشعوب في الأمن والاستقرار. لقد جاء بيان هيئة كبار العلماء ليؤكد أن وضوح الموقف من العدوان لا يتعارض مع الدعوة إلى السلام، بل يمنحها أساساً أكثر عدلاً ومصداقية، وأن حماية المقدسات والأوطان مسؤولية تتطلب تكامل الموقف الشرعي مع العمل السياسي والدبلوماسي المسؤول.

وفي الختام، فإن الرسالة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، وإلى المؤسسات الدينية في عالمنا العربي والإسلامي، هي أن المرحلة تتطلب تجاوز العبارات العامة إلى مواقف تحدد المسؤوليات، وتطالب بوقف دعم الجماعات المسلحة، وتضع أمن الدول والشعوب فوق الحسابات السياسية الضيقة. فلا يكفي أن نطالب بإطفاء نيران الحروب، ثم نغفل عمن يمدها بالوقود، ولا يكفي أن ندعو إلى السلام، ثم نتجاهل مصادر السلاح والتمويل التي تطيل أمد الصراع. فالسلام الحقيقي لا تصنعه الكلمات وحدها، وإنما تصنعه مواقف واضحة وإرادة صادقة توقف العدوان وتجفف مصادره وتصون أمن الأوطان وكرامة الإنسان.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى