في عالم السياسة والحروب، ليست كل مظاهر العنف دليلاً على القوة، ولا كل تصعيد تعبيراً عن القدرة على المواجهة؛ فقد تكون أشد التصرفات عنفاً انعكاساً لحالة من الضعف والارتباك، ومحاولة يائسة لإخفاء حجم الألم الذي أصاب صاحبها. ولعل الاعتداءات الحوثية الأخيرة، وما صاحبها من استهداف لمنشآت ومرافق مدنية، تعيد إلى الأذهان تعبيراً شعبياً بالغ الدلالة، هو “رفسة الموت”. والمقصود بهذا التعبير تلك الرفسة العنيفة التي قد تصدر عن الذبيحة بعد نحرها، فتبدو وكأنها تقاوم أو تستجمع ما تبقى لديها من قوة، بينما هي في حقيقتها حركة أخيرة تسبق السكون. وهي صورة مجازية تختصر المفارقة بين شدة الحركة وحقيقة الضعف، وبين ضجيج اللحظة واقتراب النهاية.
وهذا التشبيه يحضر بقوة أمام السلوك العدواني للمليشيات الحوثية، التي يبدو أن ما تتعرض له من ضغوط وضربات موجعة قد دفعها إلى تصعيد غير محسوب، يستهدف إثارة الخوف وإحداث أكبر قدر من الأذى، بدلاً من تحقيق مكاسب عسكرية حقيقية. وكأنها تريد أن تقنع الآخرين بأنها لا تزال تمتلك زمام المبادرة، بينما تكشف تصرفاتها عن عمق المأزق الذي تعيشه. فأي بطولة عسكرية يمكن أن تتحقق من استهداف مطار مدني أو سوق يرتاده الناس أو مرفق خدمي لا علاقة له بالعمليات العسكرية؟ وأي انتصار يمكن أن يُسجل على حساب أرواح المواطنين والمقيمين، أو بتعريض المعتمرين والزوار للخطر؟ وأي قضية يمكن أن تكتسب شرعيتها حين يصبح الأبرياء أهدافاً للصواريخ والمسيرات؟
إن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية ليس دليل قوة، وإنما سقوط أخلاقي قبل أن يكون إخفاقاً عسكرياً. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بحجم الدمار الذي يمكن إحداثه، وإنما بالقدرة على تحقيق الأهداف المشروعة دون الاعتداء على الأبرياء. أما تحويل حياة الناس وأمنهم إلى أوراق ضغط، فهو سلوك يكشف طبيعة الفكر الذي يحكم هذه المليشيات، ومدى استخفافها بالقيم الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية. ولا يمكن قراءة هذه الاعتداءات بمعزل عن القوى والدول التي تدعم المليشيات الحوثية، وتوفر لها أشكالاً مختلفة من المساندة والغطاء السياسي. فهل فوجئت تلك الأطراف بحجم التخبط الذي وصلت إليه المليشيات؟ وهل تدرك أن مثل هذه التصرفات لا تهدد أمن المملكة وحدها، بل تهدد أمن المنطقة واستقرارها؟ أم أن حسابات النفوذ والصراع أصبحت تتقدم على حرمة الدماء وحياة الأبرياء؟
إن هذه الأسئلة تضع الداعمين أمام مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية، وتؤكد أن من يشجع الاعتداءات على المدنيين أو يتغاضى عنها لا يستطيع أن يتنصل من تبعات موقفه. غير أن ما يثير الاستغراب، إلى جانب هذا السلوك العدواني، هو مستوى التحرك الجماعي للمؤسسات الخليجية والعربية والإسلامية في مواجهة هذه الاعتداءات. فالمملكة العربية السعودية، وعلى امتداد تاريخها، كانت سبّاقة إلى نصرة أشقائها، والمبادرة إلى الدعوة لعقد القمم والاجتماعات الطارئة كلما تعرضت دولة خليجية أو عربية أو إسلامية لاعتداء أو أزمة تهدد أمنها واستقرارها. ولم تكن تلك المبادرات مجرد مواقف بروتوكولية أو بيانات دبلوماسية، بل كانت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن أمن الأشقاء مسؤولية مشتركة، وأن التضامن الحقيقي لا يكتمل إلا حين تتحول الأقوال إلى أفعال.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بكل وضوح: أين مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ وأين جامعة الدول العربية؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي؟ وأين التحرك الذي يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار إلى مواقف عملية تتناسب مع خطورة الاعتداءات؟
إن المطلوب ليس دفع المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة، ولا إصدار مواقف انفعالية تزيد الأوضاع تعقيداً، وإنما تفعيل أدوات العمل المشترك، وإظهار موقف سياسي ودبلوماسي بحجم الحدث. فالمؤسسات الإقليمية لم تُنشأ لتكون منصات لإصدار بيانات المجاملة، وإنما لتكون أطراً فاعلة للتنسيق والتضامن وحماية المصالح المشتركة، خصوصاً في أوقات الأزمات.
وستظل المملكة العربية السعودية، بإذن الله، قوية بقيادتها، راسخة بمؤسساتها، متماسكة بشعبها، عصية على محاولات العبث بأمنها واستقرارها، ولن تنال من مكانتها اعتداءات مليشيات ظنت أن ترويع الآمنين يمكن أن يعوض ما تعجز عن تحقيقه في ميادين المواجهة. ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط بيانات الإدانة وعبارات التضامن: إذا كانت المملكة تبادر إلى جمع الأشقاء عندما يتعرض أحدهم للخطر، فمن يبادر اليوم إلى جمع الأشقاء عندما تكون المملكة هي المستهدفة؟

