المقالات

من استعجل كثرت عثراته

تُقاس جودة القرارات الإدارية بمدى سلامة مقوماتها وانسجامها مع المعطيات الموضوعية والأهداف الاستراتيجية والنتائج المتوقعة ورغم أن الاستعجال قد يُفهم تعبيراً عن الحزم والحرص على الإنجاز فإنه كثيراً ما يأتي على حساب دقة التحليل فيضعف كفاءة القرار ويرفع احتمالات التعثر

ويكمن الفارق الجوهري بين المبادرة المدروسة والاندفاع غير المحسوب بمدى استنادهما إلى تحليل منهجي فالمبادرة تُرسخ دعائم النمو والاستدامة ، بينما يؤدي الاندفاع إلى استنزاف الموارد وإهدار الفرص إذ تتحول الرغبة في تسريع الإنجاز إلى سبب في إطالة الطريق نحو الأهداف

وتُعد عملية اتخاذ القرار من أبرز الممارسات الإدارية أثراً في اتجاه المنشآت إذ لا تقتصر آثارها على نتائجها المباشرة وإنما تمتد إلى الموارد والفرص والقدرة على مواجهة المتغيرات المستقبلية وحين يُتخذ القرار تحت ضغط الرغبة في الإنجاز السريع أو الخوف من فوات الفرص يضعف التحليل والمقارنة بين البدائل ويصبح الحسم مقدماً عن الوصول إلى الخيار الأفضل

ولا تكمن المشكلة في سرعة القرار في حد ذاتها بل في اتخاذه قبل اكتمال عناصره فالقرار الفعال يقوم على كفاية المعلومات وواقعية تقدير المخاطر والموازنة بين البدائل والرؤية المستقبلة للنتائج المحتملة وكلما اتسع أثر القرار وارتفعت كلفته ازدادت الحاجة إلى التحقق من سلامة أسسه قبل الانتقال إلى التنفيذ

وتتسم ريادة الأعمال ببيئة تنافسية تقتضي المبادرة والمرونة والقدرة على استثمار الفرص إلا أن هذه المتطلبات قد تدفع بعض رواد الأعمال إلى الخلط بين سرعة النمو وزيادة التوسع أو بين جاذبية الفكرة وجدواها الاقتصادية فقد يبدأ المشروع قبل التحقق من احتياجات السوق ، أو تتسع عملياته قبل بناء قدرته التشغيلية ، أو تنعقد شراكات استراتيجية دون تحديد واضح للمصالح

وعليه لا يكون التعثر بالضرورة ناجماً عن ضعف الفكرة أو غياب الطموح وإنما قد ينشأ عن اختلال التوقيت وعدم التناسب بين حجم التطلعات والإمكانات المتاحة فالتوسع الذي يسبق القدرة على الإدارة قد يضاعف التكاليف ، والاستثمار الذي لا يستند إلى دراسة كافية قد يجمّد رأس المال ، والنمو المتسارع الذي يتجاوز متطلبات التشغيل قد يضعف جودة المنتجات والخدمات

وهنا لا تعني الحكمة في الإدارة إبطاء القرارات أو تأجيلها فالتردد قد يكون مكلفاً بقدر الاستعجال وربما أكثر منه في الأسواق سريعة التغير وقد تتطلب بعض الظروف استجابة فورية بينما تستدعي قرارات أخرى مزيداً من التحليل والاختبار قبل الالتزام بها لذلك تتمثل الكفاءة الإدارية في تحديد مستوى التروي الذي يتناسب مع طبيعة القرار وحجم المخاطر والوقت المتاح لاتخاذه

ويتحقق هذا التوازن من خلال وضوح الأولويات وتحديد المعايير التي تحُكم القرار واختبار الفرضيات الأساسية والاستفادة من الخبرات والبيانات المتاحة كما أن تجزئة القرارات الكبيرة إلى مراحل قابلة للتقييم تمنح المنشآت مرونة أكبر وتتيح لها اكتشاف الأخطاء مبكراً قبل أن تتحول إلى خسائر واسعة النطاق

وفي ريادة الأعمال على وجه الخصوص لا يتعارض التأني مع الطموح وإنما يمنحه أساساً أكثر متانة فالتجربة والاحتياج قبل التوسع ، والتحقق من الطلب قبل زيادة العرض ، ومراجعة النتائج قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة ، كلها ممارسات تجعل المبادرة أكثر انضباطاً وتمنح المشروع قدرة أعلى على التكيف مع المتغيرات

فليس المعيار أن يسبق أحداً غيره في الانطلاق وإنما أن يمتلك من الوعي ما يرشده إلى الاتجاه الأنسب ، ومن الحكمة ما يحميه عثرات الاستعجال ، ومن الكفاءة ما يُمكنه من تحويل خطواته إلى إنجازات راسخة
فالسبق الحقيقي لمن يُحسن اختيار طريقه ثم يبلغ غايته

ضيف الله الحريري

مستشار اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى