المقالات

عبير العجمي وسام على صدر الوطن

في سماء الرياض التي طالما غفت على وسادة الأمان واحتضنت تراتيل السكينة، انشقّ الأفق فجأة عن دويّ غادر استهدف المدنين الآمنين داخل صالات مطار الملك خالد الدولي التي اهتزت تحت وطأة الاعتداء الآثم، ليسلب المكان طمأنينته. والأنسان روحه في مشهد لا يصدقه عقل ولا تقر به كل الأعراف الدولية، إلا أن في وسط تلك اللحظات الحالكة، التي حينها يفرّ المرء حتى من ظله،لينجو بنفسه إلى بر الأمان أشرقت شمس الإنسانية والتضحية والتي تمثلت في ابنّة الوطن: عبير بنت العجمي.

عبير التي لم تكن مجرد شاهدة عيان على تلك الخسة والدناءة التي ارتكبها الحوثيون الجبناء ، عبير التي لم تقف لتعبر عن فزعها من بعيد، وتستسلم لغريزة النجاة الفردية بل وقفت وسط عاصفة الموت كالنخلة الباسقة التي لا تلويها الرياح. وكالمحارب الأخير الذي لا يحمل في كفّه سوى واجب الانتماء والحياة، فرفعت يدها لتكون بوصلة النجاة للمتوترين، وميناءً للأرواح التائهة في لجة الخوف، تقود الخطوات نحو مخارج الأمان بثباتٍ يحرس الحياة من أن يلتهمها شبح الخوف والارتباك .

وعطفاً على ما سبق فإن عبير العجمي ليست مجرد اسم، بل رمز للمرأة التي واجهت المحن بقلب ثابت، وحوّلت الألم إلى قوة، والشدائد إلى مواقف تُروى للأجيال. وحين تقترن هذه التضحيات باسم امرأة سعودية، فإنها تستحضر صورة المرأة التي تقف في اللحظات العصيبة شامخةً، لا تنحني أمام الخوف، ولا تتراجع حين يستدعي الواجب موقفًا شجاعًا.حيث وقفت بسلاح الطمأنينة تمنع وقوع المزيد من الفقد، وتوجه العائلات والأطفال الخائفين بقلبٍ لا يعرف التراجع. عندما صرخت الفوضى من حولها بكل قسوتها، فواجهتها بصلابة هادئة لتؤكد أن الشجاعة الحقيقية ليست غياب الخوف، بل هي القدرة العجيبة على قتله باليقين وحسن التدبير. لقد جسّدت عبير بوقفتها روح المرأة السعودية الأصيلة، تلك التي تنهل من بئر العزيمة طاقة لا تنضب، وتثبت أن الأوطان لا تُحمي بالأسوار وحدها، بل بنبض قلوب أبنائها إذا دهمهم الخطر واستدعاهم الواجب.

ومسك الختام فإن ما سطّرته عبير العجمي في تلك اللحظات العصيبة لم يكن مجرد تصرف عابر، بل كان لوحة بليغة رُسمت بمداد البطولة الخالصة، لتغدو أيقونة في سجل الوفاء والإنسانية ، وستبقى حكايتها محفورة في ذاكرة الرياض؛ ترويها الأجيال وتستلهم منها العروبة الحقة ومعاني التضحية الصامتة التي لا تبحث عن أضواء ولا شهرة، بل تصنع النور في أحلّك ساعات العتمة. ولعل أجمل ما في هذه الحكاية لم تحتج إلى مشهدٍ أسطوري؛ ولا فلاشات كاذبة بل تجلت في فعلٍ إنساني تتجلى فيه أسمى معاني الشجاعة والمسؤولية.

همسة قلم :
حين تتحدث المواقف، تصمت الكلمات، ويبقى الأثر شاهدًا على العصر .

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى