كتاب الرأي

من شتات الجزيرة إلى وطنٍ شامخ

ليست الأوطان حدودًا مرسومة على الخرائط فحسب، بل حكاياتُ كفاحٍ تتوارثها الأجيال، وأحلامٌ كبرى تتحول بالإرادة والعمل إلى واقع. وفي تاريخ المملكة العربية السعودية ملحمةٌ استثنائية، انتقلت فيها أجزاء متفرقة من الجزيرة العربية إلى دولةٍ موحّدة، جمعت شمل الناس، وأرست دعائم الأمن والاستقرار، ومضت بثبات نحو البناء والازدهار.

لقد تحققت ملحمة توحيد المملكة، بتوفيق الله تعالى، ثم بجهود الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، الذي خاض رحلة طويلة وشاقة لتوحيد البلاد. ففي زمنٍ تعددت فيه مراكز النفوذ، واختلفت فيه العادات والتقاليد والظروف المعيشية، عانت مناطق كثيرة من اضطراب الأمن وتنازع القبائل على موارد الحياة، من ماءٍ وغذاءٍ وكلأ. فجاء مشروع التوحيد ليجمع هذه الأجزاء تحت راية واحدة، ويؤسس كيانًا يقوم على الوحدة والنظام، ويستبدل بالخوف طمأنينةً، وبالتفرق تماسكًا.

وكان استرداد الرياض عام 1902م نقطة الانطلاق في هذه الرحلة التاريخية، التي تُوّجت بإعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 1932م. ومنذ ذلك اليوم، بدأت صفحة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية؛ صفحةٌ اتسعت فيها مؤسسات الدولة، وتعززت فيها مقومات الاستقرار، وانطلقت مسيرة التنمية في مجالات الحياة المختلفة.

وبفضل الله، ثم بما بذله أبناء الوطن من عملٍ وإخلاص، تحولت المملكة إلى دولة ذات مكانة إقليمية ودولية راسخة، تحتضن الحرمين الشريفين، وتتشرف بخدمة قاصدي بيت الله الحرام ومسجد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. كما أصبحت من الاقتصادات الكبرى في العالم، ومن أبرز الدول المصدّرة للنفط، وعضوًا في مجموعة العشرين، بما يعكس ما حققته من تطور اقتصادي وتنموي ومؤسسي.

وقد واصل أبناء الملك عبدالعزيز الملوك من بعده مسيرة البناء، بدءًا بالملك سعود، ثم الملوك فيصل وخالد وفهد وعبدالله، رحمهم الله جميعًا، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. وتستمر في هذا العهد مسيرة التطوير والطموح، مستندةً إلى تاريخٍ عريق، وإرادةٍ وطنية، ورؤيةٍ تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا.

ولم تكن هذه المسيرة لتبلغ ما بلغته لولا تماسك الشعب السعودي الكريم، ووفائه لوطنه وقيادته، وإيمانه بأن حماية المكتسبات مسؤولية مشتركة، وأن بناء المستقبل يبدأ بالعمل والعلم والإخلاص. فالأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالانتماء الصادق، والمحافظة على وحدتها، والإسهام في نهضتها.

وهكذا تظل ملحمة التوحيد شاهدًا على أن الإرادة الصلبة، حين تجتمع مع القيادة الحكيمة وتوفيق الله، قادرة على تحويل التفرق إلى وحدة، والخوف إلى أمن، والتحديات إلى فرص. نسأل الله أن يديم على المملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها وازدهارها، وأن يحفظ قيادتها وشعبها، وأن يبقي رايتها عاليةً خفّاقة، ودارها آمنةً مطمئنة، من كل مكروه.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى