كتاب الرأي

شهداء الوطن.. لم يموتوا

حين نتحدث عن شهداء الوطن في المملكة العربية السعودية فإننا لا نتحدث عن أسماءٍ غابت عن سجلات الحياة ولا عن أرقامٍ تُضاف إلى قوائم التضحيات بل نتحدث عن أبطال كانوا بيننا بالأمس لهم أحلامهم وآمالهم وأسرهم وأطفالهم خرجوا من بيوتهم لأداء الواجب وهم يحملون أرواحهم على أكفهم مؤمنين بأن أمن الوطن وسلامة مواطنيه والمقيمين على أرضه مسؤولية عظيمة تستحق التضحية.

لقد أدرك هؤلاء الأبطال وغيرهم من الأبطال الذين لا زالوا على قيد الحياة أن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية تحدّها الحدود ولا أرضاً نعيش فوق ترابها بل هو تاريخٌ وهويةٌ وكرامةٌ وانتماء وهو البيت الكبير الذي يجمعنا والمظلة التي نستظل بأمنها والكيان الذي يستحق أن نبذل في سبيل حمايته أغلى ما نملك فهو مهبط  الوحي ومهوى الأفئدة وفيه وُلِد الرسول صلى الله عليه وسلم ومنه بُعِث وإليه قبلة المسلمين قاطبة وفيه مسجد رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإليه يفد ضيوف الرحمن من جميع أصقاع الأرض.

ومن هنا لم تكن الشهادة في سبيل الدفاع عن الوطن نهاية رحلة بل كانت ذروة الوفاء وصدق الانتماء {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.

ولذلك يجب أن نعي ويعي أبناءنا وبناتنا بأن الأمن الذي نعيشه اليوم والطمأنينة التي تسكن بيوتنا والاستقرار الذي ننعم به لم تكن جميعها وليدة المصادفة بل هي بعد توفيق الله ثمرة جهودٍ عظيمة وتضحياتٍ جسيمة قدّمها رجالٌ وقفوا في ميادين الشرف لمواجهة كل ما يهدد أمن الوطن واستقراره.

فهناك على الثغور رجالٌ سهروا لينام الآخرون وتحملوا قسوة الظروف ليعيش غيرهم في راحة وواجهوا الأخطار ليبقى الوطن آمناً مطمئناً.

ولعل أعظم صور التضحية أن يخرج البطل من منزله فيودّع والديه وزوجته وأطفاله دون أن يعلم إن كان سيعود إليهم لكنه يعلم ووالديه وزوجته يعلمون يقيناً أنه يؤدي واجباً وطنياً وشرفاً لا يقبل التردد.

ولذلك نعلم أن وراء كل شهيد أمٌّ رفعت يديها إلى السماء تدعو له بالحفظ والسلامة وأبٌ كان ينتظر عودته بفخر وربما زوجةٌ كانت تعدّ الأيام شوقاً للقائه وأطفالٌ كانوا ينتظرون صوت أبيهم وابتسامته واحتضانه.

وحين يأتي خبر استشهاده لا تفقد الأسرة فرداً عزيزاً بل تفقد جزءاً من حياتها وذكرياتها وأحلامها ومع ذلك يصبرون وعزاؤهم أن أبنهم رحل وهم يؤدي واجبه في الدفاع عن وطنه مقبلاً غير مدبر وأن أسمه سيظل مرتبطاً بالشرف والتضحية والوفاء.

ومن أجمل صور الوفاء للشهداء ما توليه المملكة العربية السعودية من اهتمام بأسر شهداء الواجب من خلال الرعاية والتكريم والمساندة تقديراً لما قدمه أبناؤهم من تضحيات في ميادين الشرف.

غير أن مسؤولية الوفاء لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية وحدها بل هي مسؤولية المجتمع بأسره.

فليس الوفاء للشهيد أن نذكر اسمه في مناسبة عابرة ثم ننساه بقية العام وليس التكريم أن نرفع صورته أو نكتب عنه كلمات الثناء وإنما الوفاء الحقيقي أن تبقى تضحياته حاضرة في ضمير المجتمع وأن نغرس في نفوس الأجيال معاني الانتماء والمسؤولية وأن نعرّف أبناءنا بأن الأوطان لا تُصان بالأماني بل بالعمل والإخلاص والتضحيات.

ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف قصص هؤلاء الرجال الأبطال الذين قدموا دروساً ملهمة في الشجاعة والصبر والوفاء.

فالشهيد الذي بذل حياته دفاعاً عن وطنه ترك لنا رسالة عميقة مفادها أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات ولا قصيدة تُلقى في الاحتفالات وإنما هو مسؤولية تُترجم إلى أفعال ومواقف.

وإذا كان رجال القوات المسلحة بمختلف قطاعاتها يحمون الوطن بأرواحهم فإن على بقية أفراد المجتمع أن يحموا مكتسباته بوعيهم وأخلاقهم وإخلاصهم في أعمالهم وعليهم المحافظة على وحدته وتماسكه وعدم الانسياق خلف الشائعات التي تستهدف أمنه واستقراره.

فالوطن الذي يستحق أن يموت الإنسان دفاعاً عنه يستحق أيضاً أن يعيش من أجله مواطناً صالحاً مخلصاً في عمله أميناً في مسؤوليته حريصاً على وحدته ومصالحه.

رحم الله شهداء الوطن وأسكنهم فسيح جناته وجبر قلوب آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وأدام على بلادنا أمنها وعزها واستقرارها.

ختاماً : الأبطال قد يرحلون بأجسادهم لكن مواقفهم تظل حية شاهدة لهم لا عليهم والشهداء تغيب وجوههم ولكن أمجادهم وبطولاتهم لا تموت.

• كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

كاتب رأي - مستشار أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى