كتاب الرأي

في الغربة…أنا والقمر في غرفتي نتسامر

منذ سنوات، وهناك قمر يزورني كل ليلة تقريبا، ويدخل غرفتي دون استئذان، ويجلس في هدوء، وكأنه يعرف أنني أنتظره. لا يطرق الباب، ولا يرسل رسالة، ولا يحتاج إلى موعد مسبق. يأتي عندما يحل الليل، وحين تهدأ الأصوات من حولي، وتصبح الغرفة أكثر اتساعا من المعتاد، ويصبح الصمت أكثر قدرة على الكلام.
عندما زارني القمر في غرفتي نظرت إلى الوجه الجميل قلت ما معنى أن يعيش الإنسان بعيدا عن وطنه؟ فكانت الإجابة أنا أعرف ذلك أكثر منك؛ فأنا أزور أناس غيرك في الكثير من البلاد ولا أستقر في مكان. فقلت إذا أنت تحمل الرسائل بين المحبين؟ فالإجابة كانت: وجهي الجميل يواسيهم في الغربة خلال الوقت الذي أقضيه معهم. لقد تغيرت المدن، وتبدلت البيوت والشوارع والوجوه، وربما تغيرت اللغة والعادات، لكن القمر بقي هو القمر. القمر لا يعرف الحدود؛ فهو نفسه الذي يراه الإنسان في وطنه ويراه في بلاد الغربة، ولذلك يصبح حلقة وصل رمزية بين المغترب وأهله ووطنه.
حين تضيق بي الغربة، أرفع عيني إلى السماء، فأجد القمر هناك؛ لا يسألني من أين جئت، ولا متى سأعود، وإنما يشاركني صمتي. فأنا أنظر إلى القمر من أمريكا، وفي اللحظة نفسها ينظر إليه الأهل في الوطن والغربة أو أي مكان آخر؛ قمر واحد، وسماء واحدة، وإن فرقت بيننا المسافات في مختلف القارات.
كما أننا نجد أن القمر حاضرا بقوة في الشعر العربي، وأستخدم رمزا للجمال والنور والحنين والحبيب والليل. والانسان العربي منذ القدم جعل من الليل والقمر مساحة للتأمل والشعر والبوح. في مدن الغربة، تتغير الوجوه والطرقات واللغات، لكن السماء لا تتغير. هكذا أصبح لي في الغربة صديق لا يحتاج إلى موعد، ولا يعرف الحدود، ولا يطلب مني أن أشرح له لماذا أشتاق. كلما جاء الليل، جاء هو أيضا. أجلس إليه وأحدثه عن وطن تركته خلفي، وعن أهل أحبهم، وعن سنوات حملتها معي أينما ذهبت. وفي الغربة، قد يكون أجمل ما في القمر أنه لا ينافس من نحبهم، وإنما يذكرنا بهم. فعندما أراه مضيئا في غرفتي، أتذكر وجوه أحبها، وأماكن تركتها، وأياما لا يمكن للزمن أن يعيدها. لم تكن الغربة حزنا خالصا. فقد علمتني أن الأنسان يستطيع أن يزرع جذوره في أرض جديدة دون أن يقتلع جذوره القديمة في اللغة والثقافة. أغلقت الستارة، وبقي القمر خارج نافذتي، لكنني اكتشفت أن القمر الحقيقي لم يكن في السماء أصلا؛ كان داخلي، حيث يسكن الوطن، وحيث لا تستطيع الغربة أن تطفئ النور. في الغربة قد يفقد الانسان كثيرا من الوجوه، لكنه يجد في القمر نفسه الذي يراه أهله وأحباؤه في الوطن.

• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
مقيم في الولايات المتحدة الامريكية

د. فيصل أحمد الشميري

عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام بجامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى