كتاب الرأي

حين يصبح ضبط النفس قوة: كيف تمنع الدولة حربا لا تريدها؟

ليست أصعب لحظات القوة حين تستخدمها الدولة، بل حين تقرر كيف تمنع الحاجة إلى استخدامها من دون أن تسمح لأحد بالتشكيك في قدرتها أو إرادتها. ففي الأزمات الكبرى قد تبدو الاستجابة السريعة للاستفزاز دليلا على الحزم، لكنها ليست دائما الخيار الأكثر خدمة للمصلحة الوطنية. وفي المقابل، قد يفسر ضبط النفس على أنه تردد أو ضعف، رغم أنه قد يستند إلى حسابات أشد صرامة من رد فعل آني يرضي المزاج العام ولا يخدم الهدف الاستراتيجي.
ومن هنا يبرز الفارق بين امتلاك القوة وإدارة القوة. فالسؤال الحقيقي في أوقات التوتر ليس ما إذا كانت الدولة قادرة على الرد، بل كيف توظف قدرتها بما يحمي مصالحها ويمنع خصومها من فرض توقيت المواجهة أو مسارها. فالقوة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق الأمن والاستقرار وصون السيادة.
ولذلك يطرح السؤال الجوهري نفسه: متى يكون ضبط النفس قوة، ومتى يساء تفسيره؟ الجواب لا يكمن في ارتفاع نبرة الخطاب أو انخفاضها، بل في وضوح الرسالة وصدقية القدرة وتماسك القرار. يصبح ضبط النفس قوة عندما يستند إلى جاهزية موثوقة وحدود واضحة واستعداد للتصرف عند تجاوزها. أما إذا غابت الحدود أو تكررت الاعتداءات من دون أن تتغير حسابات مرتكبها، فقد يفسر الهدوء على أنه قبول بالأمر الواقع أو عجز عن تغييره. فالعبرة ليست بهدوء الموقف، وإنما بما يحققه من حماية للمصالح وتقييد لخيارات الخصم.
وفي إدارة الأزمات، لا يتناقض رفض الاعتداء واستهداف المدنيين والمنشآت والملاحة مع إبقاء فرص الحل السياسي مفتوحة. فالإدانة تحدد المسؤولية، والدبلوماسية تبحث عن طريق لوقف التهديد ومنع تكراره. وهذا الجمع ليس ازدواجا في الموقف، بل تمييز بين الموقف من الاعتداء والوسيلة الأنسب لإنهائه، وبين وضوح الحق وحكمة الدفاع عنه.
وتكمن أهمية ذلك في رفض معادلة زائفة كثيرا ما تربك النقاش العام: إما الردع وإما الحوار. فالردع ليس رغبة في الحرب، بل محاولة لتغيير حسابات الطرف الآخر وإقناعه بأن الاعتداء لن يحقق مكسبا يستحق كلفته. أما الحوار فليس مكافأة تمنح للمعتدي، وإنما أداة لاختبار النيات وتحديد الالتزامات وتوضيح العواقب وفتح مخرج سياسي من الأزمة. وحين يتكامل المساران، تصبح القوة سندا للتفاوض، ويصبح التفاوض وسيلة لتحويل القدرة إلى نتائج سياسية تحمي المصالح وتحد من المخاطر.
غير أن هذا التكامل يتجاوز الشعارات العامة إلى أسئلة التنفيذ: ما السلوك المطلوب وقفه؟ وما الالتزامات المطلوبة؟ وكيف يمكن التحقق منها؟ وما الخيارات المتاحة عند الإخلال بها؟ فالحوار الذي يجري من دون حماية للمصالح قد يمنح المعتدي وقتا إضافيا، بينما الردع الذي يفتقر إلى أفق سياسي قد يقود إلى جولات متكررة من المواجهة من دون معالجة أسبابها. وتبقى التهدئة محدودة الأثر حين تستمر دوافع التصعيد وأدواته خارج أي التزام يمكن التحقق منه.
وفي قراءة المعادلة السعودية، لا تكمن دلالة الحزم في سرعة الاستجابة للاستفزاز وحدها، بل في حماية المواطنين والمنشآت الحيوية وصون السيادة والحد من التهديدات. ومن هذا المنظور، لا يتعارض ضبط النفس مع الحزم ما دام يحفظ للدولة زمام المبادرة وحرية اختيار التوقيت والوسيلة. فجوهر القوة هنا هو استقلال القرار الوطني، لا مجاراة إيقاع المعتدي أو الاستجابة لضغط المشهد الإعلامي.
وفي هذا الإطار، تتكامل الجاهزية الدفاعية وحماية البنية التحتية والعمل الدبلوماسي والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين ضمن منظومة واحدة. فهذه ليست مسارات متنافسة، بل أدوات تخدم هدفا مشتركا: حماية الأمن الوطني وحرمان الخصم من تحقيق أهدافه. وتنبع قوة هذه المنظومة من تكامل أدواتها واتساق رسائلها، بما يجمع بين حماية المصالح وإبقاء الخيارات السياسية مفتوحة.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الدولة والميليشيا المسلحة. فالدولة مسؤولة عن مجتمع واقتصاد ومؤسسات ومستقبل أجيال، بينما قد تنظر الميليشيا إلى التصعيد بوصفه وسيلة لتعزيز موقعها بغض النظر عن كلفته على المجتمعات. ولهذا تختلف معايير نجاح الدولة عن حسابات خصمها؛ فما يبدو مكسبا للميليشيا في مشهد التصعيد قد يمثل خسارة للاستقرار الذي تتحمل الدولة مسؤوليته. وقد يكون حرمانها من توسيع المواجهة أكثر تأثيرا من منحها المشهد الذي تسعى إليه. وترتبط فاعلية هذا النهج ببقاء كلفة الاعتداء واضحة في حساباتها، حتى لا يفسر تجنب التصعيد باعتباره غيابا للقدرة أو الإرادة.
وفي هذه المعادلة، تتكامل حماية المدنيين والمنشآت والسيادة وحرية الملاحة مع البحث عن تسوية قابلة للاستمرار. فبقاء باب الحل السياسي مفتوحا لا يعني منح الاعتداء مشروعية أو تحويله إلى مصدر للمكاسب. وهنا يظهر الفرق بين تسوية تغير حسابات المعتدي وتحد من دوافع التصعيد، وتهدئة تؤجل المواجهة من دون معالجة أسبابها.
كما أن اتساع التفاهمات الدولية لا يكفي وحده لضمان النجاح. فالبيانات تحدد المواقف، لكنها لا توقف الهجمات بمفردها. وما يمنح المسار السياسي وزنه هو تحوله إلى التزامات قابلة للتحقق، وآليات متابعة فعالة، وقدرة على كشف الإخلال ومواجهته. ومن هنا يختلف بدء الحوار عن نجاحه، كما يختلف إعلان التهدئة عن استدامتها. فدلالة النجاح لا تكمن في عدد الاجتماعات أو حجم البيانات، وإنما في تغير السلوك وتراجع المخاطر وتحسن القدرة على حماية الناس والمصالح.
وفي المجال العام، تقتضي المساندة الواعية ألا يختزل الحوار في التنازل، ولا الحزم في التصعيد. فواجب التحليل أن يشرح منطق القرار ويميز بين المعلن والمستنتج، لا أن يضيق خيارات الدولة بتوقعات انفعالية. والموقف المتزن لا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، وإنما يميز بين وضوح المسؤولية وحكمة الاستجابة، وبين مشروعية الدفاع واختيار الوسيلة الأنسب لتحقيق أهدافه.

ختاماً..
ليست غاية الدولة أن تثبت قدرتها على خوض الحرب، بل أن تمنع الحرب من أن تصبح الطريق الوحيد لحماية مصالحها. ومن هذا المنظور تتضح المعادلة السعودية: حزم يحمي السيادة، وحوار يفتح أبواب التسوية، وقرار مستقل لا يمنح المعتدي حق اختيار توقيت المواجهة أو مداها. فلا سلام يُستدام إذا أصبح الاعتداء وسيلة لانتزاع المكاسب، وتبلغ القوة غايتها حين تحمي الحقوق وتسند طريقا إلى الاستقرار. وبين هذين الحدين، تتجلى القيادة في صون الأمن من دون ارتهان للاستفزاز، وصناعة التهدئة من دون تفريط بالحقوق. فالنجاح ليس أن تكون الحرب آخر الكلام، بل أن تكون القوة حاضرة بما يكفي كي لا تبدأ.
{رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدا آمنا وَارْزقْ أَهْلَه منَ الثَّمَرَات}

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى