ليست كل المسيرات المهنية قابلة للاختزال في عدد السنوات، ولا كل التجارب الإدارية يمكن أن تختصرها قائمة من المناصب والمسؤوليات؛ فثمة مسيرة تُقاس بما أنجزته، وأخرى بما تركته من أثر، وثمة قيادات لا تستمد قيمتها من الموقع الذي تشغله، وإنما من قدرتها على أن تجعل من الموقع مساحة للعطاء، ومن المسؤولية فرصة للبناء، ومن العاملين حولها شركاء في النجاح وصناعة المستقبل.
ومن بين تلك التجارب تبرز تجربة الأستاذة فضة بنت محمد المتحمي، التي تختتم يوم الخميس القادم الموافق للسادس والعشرين من جماد الأولى من العام1448للهجرة رحلتها العملية بعد ثلاثة عقود من العطاء في ميدان التعليم، قضتها متنقلة بين مواقع تربوية وإدارية متعددة، حاملةً معها تجربة ثرية، ورؤية إدارية تستند إلى الوعي بالمسؤولية، والإيمان بالإنسان، وإدراك أن نجاح المؤسسات لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه العقول التي تخطط، والقلوب التي تؤمن، والأيدي التي تعمل.
ثلاثون عاماً لم تكن مجرد زمن وظيفي يمضي في تقويم الأيام، بل كانت رحلة من التجارب والمواقف والتحديات، ومراحل من العمل الذي يتطلب صبراً وحكمةً وقدرةً على الموازنة بين متطلبات الإدارة واحتياجات الميدان، وبين تحقيق المستهدفات والمحافظة على روح الفريق، وبين إنجاز المهام وصناعة بيئة عمل يشعر فيها الإنسان بقيمته ومكانته.
القيادة التي تبدأ بالإنسان
في التجارب الإدارية الناجحة، ثمة فارق كبير بين من يدير العمل ومن يقود العاملين؛ فالإدارة قد تضمن انتظام الإجراءات، لكن القيادة الحقيقية هي التي تستنهض الطاقات، وتوقظ الدافعية، وتمنح الآخرين الثقة في قدراتهم، وتدفعهم إلى تجاوز حدود الأداء المعتاد نحو آفاق أرحب من الإنجاز.
وهنا تتجلى إحدى السمات المهمة في تجربة فضة المتحمي؛ إذ ارتبط أسلوبها القيادي بالاهتمام بالعاملين معها، وتحفيزهم، وتعزيز شعورهم بالمسؤولية المشتركة. فالعمل في البيئة التعليمية لا يحتاج إلى متابعة المهام فحسب، بل يحتاج إلى قيادة تدرك طبيعة الإنسان، وتعرف أن الموظف حين يشعر بالتقدير يصبح أكثر استعداداً للعطاء، وحين يجد الثقة في قدراته يتحول من منفذ للتوجيهات إلى شريك في صناعة القرار والإنجاز.
ولعل من أبرز ملامح القيادة الناضجة أن تعرف متى تكون حازمة، ومتى تكون مرنة، ومتى تفسح المجال للمبادرة، ومتى تتدخل لتصحيح المسار. فالحكمة الإدارية ليست في كثرة التوجيهات، وإنما في حسن اختيارها، وليست في فرض الحضور، وإنما في بناء الاحترام، وليست في احتكار النجاح، وإنما في توزيع مساحاته على كل من أسهم فيه.
لقد كانت قيمة القيادة، في هذا السياق، تتجاوز حدود التكليف الإداري إلى بناء العلاقات المهنية، وتعزيز روح الانتماء، وترسيخ قناعة لدى العاملين بأن ما يقدمونه ليس مجرد واجب وظيفي، بل مساهمة في رسالة تعليمية أكبر.
مكتب تعليم الجوهرة.. اختبار التأسيس وبصمة القيادة
وتأتي محطة قيادتها لمكتب تعليم الجوهرة بجدة واحدة من المحطات اللافتة في مسيرتها الإدارية؛ فهي لم تكن محطة لإدارة كيان قائم فحسب، بل ارتبطت بمرحلة تأسيس المكتب، وهي مرحلة لها طبيعتها الخاصة، وتحدياتها التي تختلف عن إدارة المؤسسات المستقرة.
فالتأسيس الإداري ليس مجرد افتتاح مقر أو توزيع اختصاصات أو اعتماد إجراءات تنظيمية، بل هو عملية بناء متكاملة تتطلب وضوح الرؤية، وتحديد الأولويات، وتأسيس بيئة العمل، وتشكيل الفريق، وترسيخ ثقافة مؤسسية قادرة على الاستمرار والتطور لاسيما في مرحلة جديدة ومختلفة عما سبقته.
وفي مثل هذه المراحل تتكشف حقيقة القيادات؛ إذ لا تكون أمامها قوالب مكتملة تسير على هديها، بل تكون مطالبة بصناعة القالب، ووضع اللبنات الأولى، وتحويل التصورات إلى واقع، والتعامل مع التفاصيل اليومية دون أن تفقد الصورة الكبرى.
وقد أثبتت فضة المتحمي جدارتها في هذه المرحلة، واستطاعت أن تخوض تجربة التأسيس بما تتطلبه من مسؤولية إدارية ورؤية تنظيمية وقدرة على استيعاب المتغيرات الجديدة وكان التحدي الأهم أن يتحول المكتب من كيان في طور التشكّل إلى منظومة عمل لها هويتها، ومسؤولياتها، وأهدافها، وروحها المؤسسية.
وليس من السهل أن تقود مرحلة التأسيس؛ لأن القائد فيها لا يرث تجربة مكتملة، بل يشارك في صنعها، ولا يتعامل مع نتائج جاهزة، بل يتحمل مسؤولية الوصول إليها. ومن هنا تكتسب هذه المحطة أهميتها في سجلها المهني، بوصفها تجربة كشفت عن قدرتها على التعامل مع متطلبات البناء الإداري، وتوجيه الجهود نحو هدف مشترك.
إن نجاح التأسيس لا يقاس بما تحقق في بدايته فقط، وإنما بما يتركه من قواعد يمكن أن تستند إليها المراحل اللاحقة، وبما يؤسس له من ثقافة عمل، وتكامل في الأدوار، وشعور جماعي بالمسؤولية.
حكمة إدارية.. وحضور إنساني
ليست الحكمة الإدارية صفة تكتسبها القيادات من اللوائح والأنظمة وحدها، وإنما تنمو مع التجربة، وتتعمق بالمواقف، وتتشكل من القدرة على فهم اختلاف الشخصيات وتباين القدرات وتعدد وجهات النظر.
والقائد الناجح هو الذي يدرك أن فريق العمل ليس مجموعة متشابهة من الأفراد، بل طاقات مختلفة تحتاج إلى من يحسن توجيهها، ويكتشف مكامن القوة فيها، ويمنح كل فرد المساحة التي يستطيع من خلالها أن يقدم أفضل ما لديه.ومن هنا تتجلى أهمية التحفيز في أسلوب القيادة؛ فالتحفيز ليس كلمات عابرة تقال في المناسبات، بل ثقافة عمل تقوم على الاعتراف بالجهد، وإبراز الإنجاز، وإشعار العاملين بأن ما يقدمونه محل تقدير واهتمام.
كما أن القائد الذي يمتلك حساً إنسانياً وإدارياً يستطيع أن يجعل من التحديات فرصاً للتعلم، ومن الاختلاف مجالاً لتبادل الخبرات، ومن المواقف الصعبة دروساً تعزز تماسك الفريق.
وهذه المعاني هي ما يجعل العلاقة بين القائد والعاملين علاقة تتجاوز حدود التسلسل الإداري؛ لتصبح علاقة مهنية قوامها الثقة والاحترام والتقدير المتبادل.
من محطات التعليم إلى الأمانة العامة.. مسيرة تتسع خبرتها
لم تكن مسيرة الأستاذة فضة المتحمي محصورة في موقع إداري واحد، بل تنوعت محطاتها بين العمل التربوي والقيادي والإشرافي والإداري، الأمر الذي منح تجربتها اتساعاً في الرؤية، وفهماً لمختلف مستويات العمل التعليمي.
فمن قيادة المؤسسات التعليمية، إلى المسؤوليات المرتبطة بالإشراف والإدارة، ثم قيادة مكتب تعليم الجوهرة في مرحلة تأسيسه، انتقلت خبرتها عبر مستويات متعددة من المنظومة التعليمية، بما تحمله كل مرحلة من متطلبات وتحديات.
وكانت محطتها الأخيرة في الأمانة العامة للتعليم بالإدارة العامة للتعليم بمحافظة جدة، لتكون هذه المحطة ختاماً لمسيرتها العملية في منظومة تعليمية طالما كانت جزءاً من تفاصيلها، وعاشت بين مكوناتها، وأسهمت في أعمالها ومسؤولياتها.
ولعل في هذا الختام دلالة جميلة؛ فالمسيرة التي بدأت بخدمة التعليم في الميدان، وتوسعت عبر مسؤوليات قيادية وإدارية متعددة، تصل إلى محطتها الأخيرة في الأمانة العامة للتعليم، بعد رحلة تراكمت فيها الخبرات، وتعددت فيها المسؤوليات، واتسعت فيها دوائر التأثير.
إنها نهاية مرحلة وظيفية، لكنها ليست نهاية الأثر؛ فالمؤسسات تتغير مواقعها، وتتبدل هياكلها، وتتوالى عليها القيادات، غير أن ما يتركه الإنسان من معرفة وخبرة وعلاقات مهنية صادقة يظل حاضراً في ذاكرة المكان.
الخميس.. حين يغادر القائد ويبقى الأثر
وفي يوم الخميس تطوي فضة المتحمي صفحة من صفحات عمرها المهني، لا لتغادر تجربة عابرة، بل لتضع نهاية لثلاثين عاماً من العمل والعطاء، وتبدأ فصلاً جديداً من الحياة، عنوانه الوفاء لرحلة مضت، والاعتزاز بما تحقق، والاطمئنان إلى أن لكل مرحلة من العمر جمالها واستحقاقاتها.
ولعل أصعب ما في لحظات الوداع ليس مغادرة المكتب، ولا تسليم المسؤوليات، ولا الانتقال من جدول عمل اعتاده الإنسان إلى أيام أكثر اتساعاً، وإنما مفارقة الوجوه التي تقاسم معها تفاصيل الرحلة؛ أولئك الذين جمعتهم بها الاجتماعات والقرارات والمواقف والتحديات، وتقاطعت معهم في لحظات النجاح والتعب، والإنجاز والانتظار.
فهناك أشخاص لا تتركهم خلفك حين تغادر موقع العمل؛ لأنهم أصبحوا جزءاً من حكايتك المهنية، كما أصبحت جزءاً من حكاياتهم. وهناك مواقف لا تسجلها محاضر الاجتماعات، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة، لأنها صنعت معنى الزمالة، وعمّقت قيمة العمل المشترك، وأكدت أن العلاقات الإنسانية هي الثروة التي لا تفقد قيمتها بانتهاء التكليف.
وإذا كان لكل قائد إنجاز يعتز به، فإن من أجمل الإنجازات أن يغادر موقعه وقد ترك وراءه أشخاصاً أكثر ثقة بقدراتهم، وفرق عمل أكثر نضجاً، وتجربة يمكن أن يستفيد منها الآخرون.
فضة المتحمي.. ثلاثون عاماً من العطاء، مسيرة إدارية تستحق أن تُروى، وأثر تربوي وإنساني يستحق أن يبقى.


