المقالات

ماذا فعلت سالي ؟

في طفولتنا شاهدنا كرتون «سالي»، المقتبس من رواية «الأميرة الصغيرة» للكاتبة فرانسيس هودسون برنيت. وربما لم تكن القصة مجرد حكاية طفلة فقدت والدها وثروتها؛ بل مرآة لواقع تتبدل فيه معاملة الإنسان بحسب ما يملكه من مال أو سند أو مكانة.

كانت سالي محاطة بالاهتمام، ثم انقلب كل شيء بعد وفاة والدها وإفلاسه. تحولت من طفلة مدللة إلى خادمة تُهان وتُستغل، قبل أن يعود إليها الاحترام حين ظهر صديق والدها واستعادت إرثها. وفي حكاية «سندريلا» نرى صورة قريبة: فتاة تُعامل بقسوة حتى تتغير حياتها بفرصة تنقلها إلى عالم آخر.

هذه القصص تذكّرنا بما قد يحدث داخل بعض الأسر؛ حين تُمارس السيطرة والقمع باسم العيب أو العادات، أو باسم الدين، بينما تُنتقى من الدين ما يخدم سلطة من يملكون القرار. قد تجد الأنثى مطالبة بالطاعة المطلقة، وتحمل الأعباء، والخضوع للسلطة الذكورية، في وقت يحظى فيه الذكر بمزيد من التساهل والدلال، وكأن الخطأ لا يليق به وحده.

وقد تكون المرأة ملتزمة، مسؤولة، هادئة، وتبذل ما تستطيع، ثم تجد نفسها موضع اتهام أو تقليل أو سخرية. وهنا يظهر السؤال الذي يلاحق سالي دائمًا: ماذا فعلت؟

هناك من يصفها بالضعف والذل لأنها صبرت، وكأن القوة لا تكون إلا بالصراخ أو الانتقام أو المغادرة الفورية. لكنهم يغفلون حقيقة بسيطة: سالي كانت طفلة. فقدت والدها وثروتها ومكانتها، ووجدت نفسها في بيئة قاسية بلا خيارات كثيرة. ومع ذلك لم تسمح للظروف بأن تحوّلها إلى نسخة من الذين آذوها.

هذا هو المعنى الذي يستحق التوقف عنده. ليس كل من لم يصرخ ضعيفًا، وليس كل من لم ينتقم مستسلمًا، وليس كل صبر ذلًا. أحيانًا يدرك الإنسان محدودية خياراته، فيختار ألا يهدم ما تبقى لديه من فرص. قد يصمت لأنه يخطط، ويتأنى لأنه يعلم أن المواجهة قبل امتلاك أدواتها قد تزيد خسائره، ويصبر حتى يصبح التغيير ممكنًا.

ولا يعني ذلك أن الهرب أو المواجهة خطأ. أحيانًا يكون الابتعاد عن البيئة المؤذية هو القرار الأصح، وطلب المساعدة ضرورة لا ينبغي تأجيلها. لكن الحكم على الناس من ظاهر ردود أفعالهم قاسٍ ومختزل؛ فلكل إنسان ظرفه، وقدرته، ومساحته المتاحة للحركة.

أما سندريلا، فليست العبرة في انتظار الأمير الذي ينقذها. السند الحقيقي قد يكون علمًا، أو عملًا، أو موهبة، أو مالًا، أو صديقة صادقة، أو مهارة تُكتسب، أو فرصة تُستثمر. وقد يكون أهم سند للإنسان أن يعرف نفسه وحقوقه، وحدود ما يستطيع احتماله، وأن يدرك متى يصبر، ومتى يتحدث، ومتى يطلب المساعدة، ومتى يبتعد.

القوة ليست شكلًا واحدًا. قد تكون في المواجهة، وقد تكون في الصمت المؤقت، أو التعلم، أو ادخار المال، أو بناء شبكة داعمة، أو الاستعداد للخروج من وضع مؤذٍ بأقل الخسائر. البقاء أخلاقيًا لا يعني الاستسلام، والهدوء لا يعني العجز، والتسامح لا يعني النسيان.

لذلك ربما لا يكون السؤال: لماذا لم تتمرد سالي؟ أو لماذا لم تهرب؟ بل: كيف استطاعت، رغم كل ما حدث لها، ألا تفقد نفسها؟

قد يُحاصر الإنسان في ظرف لم يختره ولا يستطيع تغييره فورًا، لكنه يستطيع أن يحافظ على ما بقي من إنسانيته وأحلامه، وأن يأخذ بالأسباب بهدوء حتى تأتي الفرصة. وعندما يصبح الخروج ممكنًا، لا ينبغي أن يشعر بالذنب لأنه اختار النجاة.

فالصبر فضيلة، لكنه ليس التزامًا أبديًا على المظلوم. وأحيانًا يكون الانتصار الحقيقي أن تبقى نفسك، وألا تسمح للظلم بأن يصنع منك نسخة منه.

منار مليباري

أخصائية تغذية،كاتبة، لاعبة شطرنج في المنتخب السعودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى