قد يظهر تدين الإنسان في عبادته، لكن أخلاقه تظهر كذلك عندما يكون المال بين يديه، وعندما يتعامل مع حقوق الآخرين، وعندما يدخل إلى مقر عمله، وعندما يستطيع أن يظلم ولا يراه أحد، أو يستطيع أن يحصل على منفعة ليست من حقه.
وفي المقال السادس من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» ننتقل إلى مجموعة من المشكلات التي نعيشها في المال والعمل: الإسراف، والتبذير، والديون، والغش، والأمانة، والظلم الوظيفي، وبخس جهود الآخرين، والتسويف والفساد.
الإسراف.. عندما يصبح الشراء عادة
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
ليس كل ما نستطيع شراءه نحتاج إلى شرائه.
قد يرتفع دخل الأسرة، ثم ترتفع المصروفات معه حتى يصبح صاحب الدخل المرتفع عاجزًا عن الادخار.
سيارة أحدث، وهاتف جديد، وسفر، ومطاعم، ومشتريات لا تستخدم إلا مرات قليلة.
والمشكلة ليست في الاستمتاع بالنعم، وإنما عندما يصبح الاستهلاك أكبر من القدرة أو الحاجة.
والتبذير ليس كرمًا
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26].
هناك فرق بين الكرم والتبذير.
الكرم يضع المال في موضع نافع، أما التبذير فقد يكون إنفاقًا بلا حاجة ولا هدف.
وقد نتخلص من طعام زائد، بينما كان يمكن منذ البداية شراء الكمية التي نحتاج إليها.
وقد نشتري أشياء فقط لأنها مخفضة السعر، ثم نكتشف أننا لم نكن بحاجة إليها أصلًا.
فالخصم لا يعني أنك وفرت إذا اشتريت شيئًا لا تحتاجه.
البخل ليس إدارة مالية
وفي المقابل يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29].
وهنا يظهر التوازن.
لا إسراف ولا بخل.
فبعض الناس يقتصد على أسرته في الأساسيات، لكنه ينفق بسخاء على ما يريده لنفسه.
الإدارة المالية ليست حرمان الأسرة، وإنما ترتيب الأولويات.
الديون.. لا تجعل الكماليات التزامًا طويلًا
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282].
وهي أطول آية في القرآن، وفيها عناية واضحة بتوثيق الحقوق المالية.
وفي حياتنا المعاصرة أصبحت الديون سهلة الوصول؛ شراء الآن ودفع لاحقًا، أقساط متعددة، بطاقات، تمويلات.
وقد يبدو كل قسط منفردًا بسيطًا، لكن اجتماع الأقساط قد يلتهم جزءًا كبيرًا من الراتب.
وقبل أي دين جديد اسأل نفسك:
هل أحتاج هذا الشيء فعلًا؟
وهل أستطيع دفع قيمته دون أن أضغط على احتياجات أسرتي الأساسية؟
وإذا عجز المدين؟
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280].
فكما أن للدائن حقًا، فإن القرآن يوجه إلى مراعاة المعسر.
وهنا يظهر البعد الإنساني في التعامل المالي؛ حفظ الحق لا يمنع الرحمة.
الغش.. مكسب صغير وخسارة أكبر
قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
والتطفيف ليس مجرد ميزان في متجر.
ففكرته تتكرر كلما طلب الإنسان حقه كاملًا، ثم أعطى الآخرين أقل من حقوقهم.
الموظف الذي يريد راتبه كاملًا لكنه لا يؤدي عمله كما ينبغي يحتاج أن يتأمل هذا المعنى.
والبائع الذي يخفي عيب السلعة.
والعامل الذي يتقاضى مقابل عمل لم ينجزه.
والشخص الذي يبيع منتجًا بوصف لا يطابق حقيقته.
الأشكال تتغير، لكن المبدأ واحد.
الوظيفة أمانة وليست حضورًا وانصرافًا فقط
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
الأمانة الوظيفية تبدأ من الوقت، لكنها لا تنتهي عنده.
أن تنجز معاملات الناس.
أن تحافظ على معلوماتهم.
أن تستخدم صلاحياتك فيما وضعت له.
أن تعترف بالخطأ.
وألا تجعل المراجع يدفع ثمن مزاجك السيئ.
فالإنسان الذي يقف أمام مكتبك قد تكون معاملته بالنسبة إليك ورقة من عشرات الأوراق، لكنها بالنسبة إليه قد تكون قضية ينتظر حلها منذ أشهر.
الظلم الوظيفي قد يكون هادئًا
قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
ليس كل ظلم في العمل صاخبًا.
قد يكون الظلم في توزيع المهام.
أو في التقييم.
أو في إعطاء الفرص.
أو في تحميل الموظف المجتهد أعمالًا إضافية باستمرار لأن المسؤول يعرف أنه لن يرفض، بينما يترك المقصر بلا محاسبة.
وقد يكون في ترقية شخص بسبب علاقته وليس استحقاقه.
العدل الإداري ليس مجاملة، بل مسؤولية.
لا تبخس جهود الآخرين
قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85].
والآية وردت في سياق التعامل في الحقوق والمكاييل، لكن معناها يلفت النظر إلى خطورة إنقاص حقوق الناس.
وفي بيئة العمل قد يقدم موظف فكرة، ثم تُنسب إلى غيره.
وقد ينجح مشروع كامل، فيظهر اسم المسؤول وتختفي أسماء من عملوا عليه.
والتقدير لا يكلف كثيرًا.
كلمة «شكرًا» قد تكون صغيرة في لسان المدير، لكنها كبيرة في نفس الموظف.
التواكل ليس توكلًا
قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15].
التوكل لا يعني أن يجلس الإنسان وينتظر أن تأتيه الفرصة.
من يبحث عن وظيفة يحتاج إلى البحث والتعلم وتطوير مهاراته والتواصل والتقديم.
ومن يريد تحسين دخله يحتاج إلى دراسة خياراته.
ومن يريد النجاح في مشروع يحتاج إلى التخطيط.
ندعو الله، ونتوكل عليه، ونمشي في مناكب الأرض.
التسويف.. سأفعل غدًا
قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].
كم من عمل بسيط أصبح أزمة لأنه أُجل؟
معاملة كان يمكن إنجازها اليوم.
تقرير تأخر.
اتصال لم يحدث.
موعد فات.
مهمة تراكمت.
وقد يكون علاج التسويف أبسط مما نتصور:
لا تنتظر الرغبة الكاملة في العمل.
ابدأ بعشر دقائق.
فالبداية الصغيرة قد تكسر حاجز المهمة الكبيرة.
الفشل لا يعني أنك فاشل
قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].
قد يفشل مشروع.
وقد لا يحصل الموظف على ترقية.
وقد يخسر الإنسان فرصة.
لكن هناك فرقًا بين أن تقول:
«فشلت هذه المحاولة».
وبين:
«أنا إنسان فاشل».
الأولى تصف تجربة.
والثانية تحكم على الإنسان كله.
اسأل بعد كل تجربة:
ماذا تعلمت؟
وماذا سأغير في المحاولة القادمة؟
استغلال المنصب
المنصب أمانة، وليس امتيازًا يسمح لصاحبه بالحصول على ما لا يحصل عليه الآخرون.
وعندما تتحول الصلاحية إلى وسيلة لخدمة الأقارب والأصدقاء، أو تعطيل مصالح من نختلف معهم، أو الحصول على منفعة شخصية، تتحول الأمانة إلى باب للظلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
كلما زادت الصلاحية، زادت المسؤولية.
الرشوة والفساد المالي
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188].
الفساد لا يضر شخصين فقط.
عندما يحصل شخص على ما لا يستحقه، قد يُحرم منه شخص يستحقه.
وعندما تُشترى القرارات، تهتز الثقة في المؤسسات.
ولذلك فالأمانة المالية ليست قضية فردية فقط، بل قضية اجتماعية.
لا تحتقر إنسانًا بسبب مهنته أو دخله
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
قد يملك الإنسان مالًا أكثر من غيره، أو منصبًا أعلى، أو شهادة أكبر، لكن ذلك لا يعطيه حق احتقار عامل أو سائق أو موظف بسيط.
فالوظائف تختلف، لكن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالراتب.
قبل أن تدخل عملك
ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا كل صباح:
هل أؤدي عملي كما أحب أن يؤدي الآخرون أعمالهم لي؟
هل أرضى أن يعامل موظف ابني أو والدي بالطريقة التي أعامل بها المراجعين؟
هل آخذ من وقت العمل ما ليس لي؟
هل أعطي الآخرين حقوقهم؟
وهل أقبل لنفسي منفعة أعرف أنني لا أستحقها؟
فالمال والعمل ليسا بعيدين عن القيم.
الأمانة لا تبدأ من خزنة المال فقط؛ قد تبدأ من دقيقة عمل، أو توقيع، أو معلومة، أو قرار، أو حق صغير لإنسان لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وفي المقال القادم من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» ننتقل إلى العالم الرقمي: الجوال، والشائعات، والتشهير، والتجسس، والتنمر الإلكتروني، والعلاقات عبر الإنترنت، ونسأل: هل تتغير أخلاق الإنسان عندما يكون خلف الشاشة؟
