كتاب الرأي

حلاوة الإيمان… حين يصبح الرضا وطنًا للقلب والسكينة حياة للروح

تأملات في خطبة الجمعة من المسجد الحرام لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد

ثمة كلمات نسمعها فتمر على أسماعنا، وثمة مواعظ تسكن أعماقنا فتوقظ في أرواحنا ما أرهقته الحياة، وتعيد ترتيب أولوياتنا، وتفتح أمام قلوبنا نوافذ من النور والرجاء.

ومن هذا القبيل جاءت خطبة الجمعة اليوم من المسجد الحرام، لتلامس سؤالًا إنسانيًا عظيمًا طالما شغل النفوس وأتعب العقول:

لماذا يمتلك بعض الناس الكثير ولا يشعرون بالسعادة، بينما يمتلك آخرون القليل وتفيض قلوبهم بالسكينة والرضا؟

إنها ليست مفارقة في الأرزاق، بقدر ما هي اختلاف في نظرتنا إلى الحياة، وفيما تستند إليه قلوبنا حين تضيق بنا الأيام وتتقلب الأحوال.

السعادة ليست فيما نملك… بل فيما يسكن قلوبنا

قد يمتلك الإنسان المال والجاه والمنصب، وتفتح أمامه أبواب الدنيا، ثم يأوي إلى فراشه مثقلًا بالقلق، مسكونًا بالخوف، محرومًا من راحة البال.

وقد يعيش آخر حياة بسيطة، لا يملك من زخارف الدنيا إلا القليل، لكنه يحمل في صدره كنزًا لا يُشترى، وقناعة لا تقدر بثمن، ويقينًا بأن ما عند الله أبقى وأجمل.

فالغنى الحقيقي ليس امتلاء الأيدي، وإنما امتلاء القلوب بالله، والفقر الأشد ليس فقدان المال، وإنما فقدان السكينة والرضا.

وهنا تتجلى روعة المعنى القرآني في قوله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

فما كل قلب نابض بالحياة مطمئن، ولا كل وجه مبتسم خال من الهموم، لكن القلب الموصول بالله يجد في إيمانه سندًا حين تتهاوى حوله الأسباب.

ثلاث حقائق تصنع حلاوة الإيمان

لقد أبرزت الخطبة ثلاثة معانٍ عظيمة هي: الرضا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا ونبيًا.

الرضا بالله ربًا أن نؤمن بحكمته وإن غابت عنا أسباب أقداره، وأن نحسن الظن به حين تتأخر أمنياتنا، وأن ندرك أن عطاءه رحمة، ومنعه قد يكون رحمة، وأن لطفه أوسع من قدرتنا على إدراكه.

والرضا بالإسلام دينًا أن نجعل من إيماننا منهجًا للحياة، يظهر في صدقنا وأمانتنا وعدلنا ورحمتنا، فلا يكون تديننا كلمات نرددها، وإنما قيمًا نعيشها ومواقف نشهد بها للحق والخير.

والرضا بمحمد ﷺ رسولًا ونبيًا أن نجعل من سيرته نورًا يهدي خطانا، ومن أخلاقه مدرسة تهذب نفوسنا، ومن رحمته قدوة نتعامل بها مع أهلنا ومجتمعنا والناس أجمعين.

وما أجمل قول النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» رواه مسلم.

إنها حلاوة لا تذوقها الألسنة، وإنما تستشعرها القلوب، وتظهر آثارها في السلوك والوجدان.

الرضا ليس استسلامًا… والصبر ليس انكسارًا

من أعمق المعاني التي توقفت عندها متأملًا في هذه الخطبة أن الرضا لا يعني التخلي عن الطموح، ولا ترك الأسباب، ولا السكوت عن الظلم، ولا الاستسلام للواقع حين تكون لدينا القدرة على تغييره.

إنما الرضا أن نبذل ما نستطيع، ونجتهد فيما نملك، ثم نسلم لله فيما خرج عن إرادتنا.

أن نحزن دون أن نفقد الرجاء، وأن نتألم دون أن نتخلى عن الأمل، وأن نمر بالابتلاء دون أن تنقطع صلتنا بالله.

فالإيمان لا يجعل الإنسان بمنأى عن المشاعر الإنسانية أو أوجاع الحياة، لكنه يمنحه معنى يستند إليه، وأملًا يتجدد به، وقوة تعينه على تجاوز المحن.

وما أعظم أن تبلغ النفس منزلة تقول فيها: يا رب، قد بذلت جهدي، وفوّضت أمري إليك، فاختر لي ما فيه خيري، وألهمني الرضا بحكمتك.

حلاوة الإيمان تظهر في أخلاقنا قبل أقوالنا

ليست حلاوة الإيمان شعورًا يحتفظ به الإنسان لنفسه، بل نور ينعكس على تعامله مع الآخرين.

فمن امتلأ قلبه بالرحمة لم يجد لذة في إيذاء الناس، ومن عرف فضل الله عليه لم يتعالَ على عباده، ومن ذاق جمال العفو لم يجعل الانتقام غايته، ومن استشعر مراقبة الله راقب كلماته قبل أن ينطق بها.

إن المجتمع الذي تتراحم فيه القلوب، وتتآلف فيه النفوس، ويُصان فيه الضعيف، ويُكرم فيه الكبير، ويرحم فيه الصغير، هو مجتمع تتحول فيه القيم الإيمانية من مواعظ تسمع إلى فضائل تمارس.

فليس عظيمًا أن تتحدث عن الأخلاق، وإنما العظيم أن تكون أخلاقك حديثًا جميلًا يرويه الناس عنك في غيابك.

رسالة إلى كل قلب أرهقته الحياة

إلى من ضاقت به السبل، وتأخرت عنه الأمنيات، وأثقلته الخيبات، وأوجعته قسوة الأيام:

لا تجعل ما فاتك يحجب عنك ما بقي لك.

ولا تسمح لخيبة عابرة أن تطفئ في روحك نور الرجاء.

ولا تجعل قسوة بعض البشر تنزع من قلبك رحمة أودعها الله فيه.

تذكر أن الحياة لا تمنح أحدًا كل ما يريد، ولكن الله يمنح عباده من أسباب الصبر والقوة والأمل ما يعينهم على الاستمرار.

كن شاكرًا في الرخاء، صابرًا في البلاء، متواضعًا عند النجاح، ثابتًا عند الإخفاق، رحيمًا بمن حولك، كريمًا في أخلاقك، صادقًا مع ربك ونفسك.

واجعل لنفسك في كل يوم نصيبًا من ذكر الله، وقراءة القرآن، ومحاسبة النفس، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس، فإن القلوب تزكو بما تغرس فيها من الخير.

وأخيرًا… حين يكون الله معك، لا تفقد الأمل

لقد أعادت هذه الخطبة التذكير بحقيقة نحتاج إليها في زحام الحياة:

قد لا نستطيع أن نغير كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نواجهه، وكيف نحفظ إيماننا وقيمنا وأملنا وسط تقلباته.

ليس أجمل من قلب لا يحمل حقدًا، ولسان لا ينطق أذى، ونفس تعرف القناعة، وروح تحسن الظن بالله، وإن طال الانتظار.

فلا تجعل سعادتك رهينة ما تملكه، ولا سلامك الداخلي أسير ما يقوله الناس عنك، ولا رضاك مؤجلًا إلى أن تتحقق جميع أمنياتك.

عش بالإيمان، واعمل بالأسباب، وأحسن إلى الخلق، واطمئن إلى عدل الله ورحمته.

فأجمل ما يبلغه الإنسان ليس أن تكون دنياه خالية من الأحزان، وإنما أن يبقى قلبه عامرًا باليقين، وروحه مضيئة بالأمل، ونفسه راضية بالله رغم تقلب الزمان.

اللهم ارزقنا قلوبًا مطمئنة بذكرك، ونفوسًا راضية بقضائك، وأرواحًا تستمد قوتها من الإيمان بك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تحرمنا لذة القرب منك وحلاوة عبادتك.

اللهم اجعلنا ممن إذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا قدروا عفوا، وإذا أحسن إليهم أحد حفظوا جميله.

اللهم ارزقنا حلاوة الإيمان، وجمال الرضا، ونعمة السكينة، وحسن الخاتمة.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى