المقالات

ما وراء الألم من نِعَم

لعل أغرب ما في العافية أنها نعمة صامتة ، لا تلفت انتباهنا ما دامت معنا، فإذا غابت تكلّم الألم بلسانها، وأخبرنا عمّا كنا نملك ولا نشعر. وكم من يوم عادي ضقنا بتفاصيله ، ثم تمنّينا على سرير المرض أن يعود إلينا بكل ما كنا نشكو منه!

وقد شاء الله أن أختبر هذه الحقيقة حين خضعت لعملية جراحية تكللت ، بفضله ومنّه ، بالنجاح. غير أن ما استوقفني في تلك التجربة لم يكن المرض وحده، بل مشهد آخر ظل يستثير في نفسي الدهشة والامتنان.

كنت أرقب طوال أيام التنويم تلك الرعاية التي لا تهدأ ، محاليل ومغذيات تتعاقب، ومسكنات وأدوية تُعطى في مواعيدها، وأيدٍ طبية وتمريضية تسهر على راحتي، وخدمات تتوالى دون أن يسألني أحد عن قدرتي على دفع ثمنها.

وكنت أتساءل في نفسي: لو أن لكل قطرة تدخل عروقي ثمنًا، ولكل جرعة تسكّن ألمي حسابًا، ولكل ساعة أقضيها تحت الرعاية فاتورة تنتظرني، فكم كنت سأدفع؟ وكم كان سيضيف القلق من تكاليف العلاج من وجعٍ إلى وجعي؟

ثم وجدت الجواب في حقيقة أكبر من الحساب: أن هناك وطنًا دفع عني ما لم أُطالب بدفعه، وحمل عني همًّا لم أُضطر إلى حمله.

دخلت المستشفى مريضًا، وخرجت منه معافًى بحمد الله، ولم أدفع ريالًا واحدًا. وليس موضع الفخر أنني لم أدفع، بل أنني أنتمي إلى وطن لم يجعل القدرة المالية شرطًا لمدّ يد العلاج إليّ.

هنا أدركت أن الأوطان لا تُقاس عظمتها بما تشيّده من عمران فحسب، بل بما تصونه من إنسان؛ وأن أبلغ صور التقدم ليست تلك التي تُرى في ارتفاع المباني، وإنما تلك التي يشعر بها المواطن حين يشتد ضعفه، فيجد دولته حاضرة بقوتها ورعايتها.

وإنها لنعمة تستحق الحمد والفخر أن نعيش في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث تتجلى العناية بالإنسان في شتى مجالات التنمية، ويحتل القطاع الصحي مكانة رفيعة بما يُسخّر له من إمكانات، وما يُبذل فيه من جهود، وما يضمه من كفاءات تستحق التقدير والعرفان.

ولعل أصدق معاني الانتماء أن تشعر، في ساعة ضعفك، أن وراءك وطنًا قويًا لا يتركك وحدك.

وإذا كان الوطن قد أحاط جسدي بأسباب العلاج، فقد أحاطتني محبة الناس بأسباب الطمأنينة. فما أكثر ما حملته الاتصالات والرسائل والزيارات، في المستشفى ثم في المنزل، من دفء لا تمنحه الأدوية، وسكينة لا تقيسها الأجهزة.

لقد اكتشفت أن بعض الناس لا يزورون المريض وحده، بل يزورون خوفه فيبددونه، ووحشته فيؤنسونها، وألمه فيخففون وطأته. وأن الإنسان قد يخرج من محنته وقد عرف من ثروته في قلوب الآخرين ما لم يكن يعرفه في أيام العافية.

ولكل من سأل أو زار أو كتب أو دعا، أقول: لقد كنتم جزءًا من عافيتي، وإن لم تحملوا وصفة طبية، وكان لحضوركم في نفسي أثر لا تختصره كلمات الامتنان.

واليوم، وقد منّ الله عليّ بالشفاء، أعود إلى الحياة وأنا أشد يقينًا بأن الإنسان قد يكون محاطًا بأعظم النعم دون أن يدرك مداها؛ عافية لا يعرف ثمنها حتى يفقدها، ووطن لا يستشعر عظمة رعايته حتى يحتاج إليها، وقلوب لا ندرك عمق محبتها لنا إلا حين تمتحننا الحياة بشدائدها.

وما أعجب المفارقة! دخلت المستشفى لأسترد عافية جسدي، فخرجت منه وقد استرددت شيئًا من بصيرتي؛ أدركت أن الصحة تاج لا يراه إلا من أثقله المرض، وأن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل سند نطمئن إليه، وأن المحبة ليست ما يُقال لنا في الرخاء، بل ما يُفعل من أجلنا في الشدة.

فالحمد لله الذي ردّ العافية، والشكر لقيادة جعلت رعاية الإنسان من أولوياتها، والوفاء لكل قلب جعل أيام المرض أخف وطأة.

وإذا كان الشفاء قد أعاد إليّ صحتي، فإن التجربة أعادت إليّ دهشتي بالنعم؛ وما أجمل أن يخرج الإنسان من مرضه معافًى في جسده، ممتنًا لوطنه، غنيًا بمحبة أهله وأحبّته .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى