مقترح ناقشناه في سبتمبر 2025م… وخطوة إيجابية أعلنتها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في أكتوبر 2026م
«اختبارات أكثر مرونة… فرص تدريب أوسع… وأعمار أبنائنا وبناتنا أمانة تستحق الاستثمار»
من أجمل ما يبعث على التفاؤل في مسيرة التطوير المؤسسي أن نجد الأفكار والمقترحات التي نتداولها في نقاشاتنا العلمية والمهنية تتحول مع مرور الوقت إلى توجهات وقرارات عملية تسهم في معالجة التحديات وتحسين واقع المستفيدين.
فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بالضرورة بقرار إداري أو مشروع مؤسسي كبير بل قد تبدأ ملامحه من حوار صادق بين مجموعة من الزملاء يجمعهم الحرص على المصلحة العامة والإيمان بأن الأنظمة واللوائح وُضعت لخدمة الإنسان وأن مراجعتها وتطويرها ضرورة تفرضها المتغيرات والاحتياجات المتجددة.
أولاً: مقترح ناقشناه في سبتمبر 2025م
في سبتمبر من عام 2025م دار بيني وبين مجموعة من الزملاء نقاش مهني حول التحديات التي تواجه خريجي وخريجات كليات الطب في المملكة العربية السعودية ولا سيما ما يتعلق بطول المسار التدريبي ومواعيد الاختبارات النهائية للبورد السعودي ومحدودية فرص الالتحاق ببرامج التدريب التخصصي.
وقد انطلق نقاشنا من تساؤل بسيط في ظاهره عميق في أبعاده:
لماذا يضطر الطبيب أو الطبيبة إلى انتظار فترة قد تمتد إلى عام كامل بسبب عدم اجتياز اختبار نهائي أو تعذر دخوله في موعده بينما يمكن توفير فرصة إضافية خلال العام نفسه دون أي إخلال بالمعايير العلمية والمهنية؟
ومن هنا تبلورت فكرة تستحق الدراسة تتمثل في إتاحة الاختبارات النهائية للبورد السعودي مرتين سنوياً بدلاً من الاقتصار على دورة واحدة في البرامج التي ينطبق عليها ذلك إلى جانب إعادة النظر في آليات القبول والمطابقة والتوسع في المقاعد التدريبية المعتمدة.
ولم يكن الهدف من هذا النقاش المطالبة بتخفيف صعوبة الاختبارات أو تجاوز متطلبات الكفاءة المهنية وإنما تحقيق التوازن بين جودة التقييم ومرونة الإجراءات والمحافظة على أعمار أبنائنا وبناتنا من الهدر غير الضروري في فترات الانتظار.
ثانياً: أكتوبر 2026م… خطوة إيجابية تستحق التقدير
ولله الحمد فقد سرني ما أعلنته الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في أكتوبر 2026م بشأن إتاحة الاختبار النهائي المعرفي للبورد السعودي مرتين سنوياً، في مرحلة أولى تشمل 14 اختصاصاً منها خمسة اختصاصات طبية وتسعة اختصاصات في المهن الصحية الأخرى.
وهي خطوة تطويرية مهمة وإن كانت لا تشمل في مرحلتها الحالية الاختبار النهائي الإكلينيكي وتستدعي استكمال التوسع التدريجي وفق الجاهزية والاحتياجات.
وقد أعادتني هذه المبادرة إلى ذلك النقاش الذي دار بيننا في سبتمبر 2025م وأكدت لي أهمية الحوار المهني البناء وضرورة استمرار طرح المقترحات التطويرية التي تنطلق من واقع الممارسة واحتياجات المستفيدين.
وإنني إذ أشيد بهذه الخطوة أتقدم بالشكر والتقدير إلى مجلس أمناء الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وقياداتها ولجانها العلمية وجميع القائمين عليها، لما يبذلونه من جهود في تطوير منظومة التدريب والتقييم المهني.
ولا يعني توافق القرار مع ما ناقشناه سابقاً أن ذلك النقاش كان سبباً مباشراً في صدوره: فالقرارات المؤسسية ثمرة دراسات وجهود ومداولات متعددة. وإنما تكمن سعادتنا في رؤية توجه تطويري يتفق مع ما كنا نأمل تحقيقه لخدمة الأطباء والطبيبات.
ثالثاً: الوقت في حياة الطبيب ليس مجرد رقم
إن رحلة الطبيب المهنية من أطول الرحلات التعليمية والتدريبية وأكثرها تطلباً.
فبعد سنوات دراسة الطب وسنة الامتياز تبدأ مرحلة جديدة من التدريب التخصصي تمتد لسنوات وقد تتبعها زمالات في التخصصات الدقيقة والأدق إلى جانب الاختبارات المهنية والمتطلبات الأكاديمية والسريرية.
وخلال هذه الرحلة الطويلة قد تؤدي فترات الانتظار بين الاختبارات أو دورات القبول إلى تأخير الاستقرار المهني والأسري وإلى ضغوط نفسية واجتماعية ومالية لا ينبغي الاستهانة بها.
وإذا كانت المعايير العلمية تقتضي اجتياز اختبارات دقيقة وصارمة لضمان سلامة المرضى وجودة الممارسة الطبية، فإنها لا تقتضي بالضرورة إطالة فترات الانتظار متى أمكن توفير فرص إضافية عادلة ومنظمة.
فليس من العدالة أن نطالب أبناءنا وبناتنا بأعلى درجات الكفاءة والاجتهاد ثم لا نبذل الجهد نفسه لتوفير منظومة مرنة تحفظ أوقاتهم وتقدر طموحاتهم.
رابعاً: لماذا لا تمتد المرونة إلى القبول والمطابقة؟
إن إتاحة الاختبارات النهائية المعرفية مرتين سنوياً خطوة إيجابية لكنها تمثل جزءاً من منظومة أشمل تحتاج إلى التطوير المستمر.
ومن أبرز المقترحات التي ناقشناها وتستحق الدراسة إمكانية تنظيم دورتين سنويتين للقبول والمطابقة (Matching) في برامج البورد السعودي متى توافرت المقاعد المعتمدة والإمكانات التدريبية اللازمة.
فقد يكون الطبيب مستوفياً لجميع متطلبات القبول لكنه لا يحصل على مقعد في الدورة السنوية فيضطر إلى انتظار دورة جديدة رغم احتمال وجود شواغر أو إمكانات تدريبية يمكن استثمارها.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة إنشاء دورة قبول تكميلية خلال العام تستوعب المقاعد الشاغرة والمستحدثة وتمنح الخريجين فرصة إضافية للمنافسة العادلة.
كما يمكن الاستفادة من التجارب الدولية في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة مع مراعاة اختلاف أنظمة الترخيص والتدريب والمطابقة بين هذه الدول ودراسة ما يمكن تكييفه مع خصوصية المنظومة الصحية السعودية.
خامساً: توسيع مقاعد البورد السعودي… استثمار لا يحتمل التأجيل
إن زيادة فرص الاختبارات وحدها لا تكفي إذا لم تتواكب مع زيادة مدروسة في الطاقة الاستيعابية لبرامج التدريب التخصصي.
فالمملكة تشهد توسعاً كبيراً في الخدمات الصحية وتطوراً في المستشفيات والتجمعات الصحية والمراكز التخصصية وهو ما يستدعي استثمار هذه الإمكانات في إعداد المزيد من الكفاءات الطبية الوطنية.
ومن المقترحات التي أرى أهمية دراستها التوسع في اعتماد المستشفيات الجامعية والخاصة وتفعيل برامج التدريب المشترك بين المؤسسات الصحية واستحداث مسارات إضافية ممولة من جهات راعية أو ممولة ذاتياً وفق معايير قبول وتدريب موحدة وضوابط تكفل العدالة وتكافؤ الفرص.
وينبغي ألا تتحول القدرة المالية إلى وسيلة لتجاوز معايير القبول أو الحصول على مقعد على حساب المستحقين بل أن يكون التمويل الإضافي أداة حقيقية لزيادة الطاقة التدريبية المعتمدة مع توفير المنح والدعم لمن يحتاجون إليها.
فالمقعد التدريبي ليس مجرد فرصة تعليمية وإنما استثمار طويل الأمد في طبيب مؤهل ومريض ينتظر خدمة أفضل ومنظومة صحية تتطلع إلى مزيد من الكفاءة والاستدامة.
سادساً: مناقشة المقترحات لا تكفي… بل ينبغي قياس أثر القرارات
من المهم أن يصاحب هذه الخطوات التطويرية إنشاء منظومة واضحة لمؤشرات الأداء، تقيس أثر زيادة فرص الاختبارات والقبول والتدريب على الواقع المهني للأطباء.
ومن أبرز المؤشرات التي أقترح متابعتها متوسط المدة بين التخرج والقبول في برامج البورد، ونسبة المقبولين إلى إجمالي المتقدمين ومتوسط فترة الانتظار لإعادة الاختبارات النهائية وعدد المقاعد التدريبية المعتمدة والشاغرة ومدى رضا المتدربين وجودة المخرجات السريرية والمهنية.
كما أقترح إجراء دراسة وطنية مشتركة بين الهيئة والجامعات والقطاعات الصحية لتقدير الاحتياجات المستقبلية من الأطباء المتخصصين وربط التوسع في المقاعد التدريبية بالاحتياجات الفعلية للسكان والخدمات الصحية.
وبذلك يصبح التطوير عملية مستمرة تستند إلى الأدلة والمؤشرات لا مجرد تعديلات إجرائية متفرقة.
سابعاً: ما زال أمامنا الكثير لتحقيقه
إن ما تحقق في أكتوبر 2026م يدعونا إلى التفاؤل لكنه ينبغي أن يكون بداية لمرحلة أوسع من التطوير.
فالطموح يتمثل في أن نصل إلى منظومة تدريب طبي وطنية تجمع بين الصرامة العلمية والمرونة الإدارية وتمنح الطبيب فرصاً متكررة وعادلة للتقييم والتقدم وتوفر له مسارات تدريبية واضحة منذ التخرج وحتى الوصول إلى أعلى درجات التخصص.
ولعل من أهم ما نأمله مستقبلاً استكمال التوسع في الاختبارات النهائية المعرفية ودراسة زيادة فرص الاختبارات الإكلينيكية وتطوير آليات القبول والمطابقة وفتح المزيد من المقاعد التدريبية وتسهيل الانتقال إلى التخصصات الدقيقة والأدق مع المحافظة الكاملة على جودة التدريب وسلامة المرضى.
ختاماً: حين تتلاقى الأفكار مع القرارات
لقد كان نقاشنا في سبتمبر 2025م نابعاً من حرص صادق على مستقبل أبنائنا وبناتنا من خريجي كليات الطب ورغبة في تخفيف معاناتهم والمحافظة على سنوات أعمارهم دون المساس بجودة تأهيلهم وكفاءتهم المهنية.
واليوم ونحن نشهد خطوة إيجابية من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تتوافق مع أحد أبرز محاور ذلك النقاش فإننا نحمد الله ونثمن جهود القائمين على الهيئة ونتطلع إلى مزيد من القرارات التي تجعل منظومتنا التدريبية نموذجاً وطنياً وعالمياً في الجودة والمرونة والعدالة.
إن مناقشة الأفكار التطويرية بين الزملاء ليست ترفاً فكرياً بل هي إحدى صور المسؤولية المهنية والمجتمعية فربما يبدأ التغيير بتساؤل وتنضج الفكرة بالحوار وتتحول لاحقاً إلى ممارسة مؤسسية تحقق النفع العام.
فأعمار أبنائنا وبناتنا ليست سنوات للانتظار بل طاقات للإنجاز وكفاءات للبناء واستثمار في صحة الوطن ومستقبله.
وستظل رسالتنا:
«اختبارات أكثر مرونة… مقاعد تدريبية أوسع… كفاءات وطنية أقدر… ورعاية صحية أجود».


