في حياتنا أصدقاء لا تقتصر صداقتهم على السؤال عن أحوالنا، أو مشاركتنا أفراحنا ومناسباتنا، بل تمتد إلى تفاصيل تسكن أعماق الذاكرة، وتبقى حاضرة في قلوبهم رغم مشاغل الحياة.
من هؤلاء صديقي العزيز نبيه بن مراد العطرجي، الذي اعتاد منذ سنوات أن يبعث إليّ برسالة قصيرة مع اقتراب الخامس من جمادى الأولى، يشاركني فيها ذكرى وفاة والدي، رحمه الله، في 5/5/1435هـ.
هذا اليوم وصلتني رسالته كعادته:
«غدًا ٥/٥
ذكرى وفاة والدك
تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته بلا حساب ولا سابق، وجعل قبره روضة من رياض الجنة».
قرأت الرسالة، وتوقفت عندها طويلًا، ليس لأنني بحاجة إلى من يذكّرني بأبي، فهو حاضر في قلبي وذاكرتي كل يوم، ولكن لأن موقف نبيه الإنساني، وحرصه رغم مشاغل الحياة على مشاركتي ذكرى رحيله عامًا بعد عام، يحملان من الوفاء ما يستحق التأمل. فكم هو جميل أن تجد من يتذكر معك من تحب، ويدعو له، ويشعرك أن مكانته لم تقتصر على قلبك وحده.
في الخامس من جمادى الأولى عام 1435هـ، يوم الخميس، بعد صلاة المغرب، رحل والدي عن هذه الدنيا. وفي اليوم التالي، بعد صلاة الجمعة، صلينا عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ووُوري جثمانه الثرى في مقبرة المعلاة.
ما زلت أتذكر ذلك اليوم، وأستعيد شيئًا من مشاعره كلما مرّت الذكرى. فالأب حين يرحل لا يأخذ معه سنوات عمره وحدها، بل يترك في حياة أبنائه مساحة لا يملؤها أحد، وذكريات تعود في مواقف قد تبدو عادية للآخرين، لكنها تعني لنا الكثير.
مرت السنوات، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتنا، وبقي أبي حاضرًا في الدعاء والذاكرة، وفي كل موقف أتمنى لو كان موجودًا لأحدثه عنه، أو أسمع رأيه فيه. ومنذ رحيله فقدت الحياة شيئًا من طعمها، وغابت معها فرحة لا أعرف كيف أستعيدها كاملة، فهناك غياب نتعايش معه، لكننا لا نعتاد عليه مهما طال الزمن.
لكن ما يشغلني اليوم، إلى جانب ذكرى والدي، هو هذا الصديق الذي يحمل في ذاكرته تاريخًا يخصني، ويحرص على مشاركتي ذكراه كل عام.
تأملت هذا الوفاء، وسألت نفسي: كم صديقًا يعرف تاريخ وفاة والد صديقه؟ وكم منهم يحتفظ به عامًا بعد عام، لا لواجب اجتماعي، ولا انتظارًا لرد، وإنما محبة ووفاء؟
ولا أبالغ إن قلت إن رسالة نبيه هذه قد تكون رسالته الوحيدة لي طوال العام!
ولصديقي نبيه حكاية مع المودة؛ فقد كان من كتّاب صحيفة مكة منذ سنوات، وله زاوية بعنوان «مودة الفؤاد». واليوم، وأنا أتأمل رسالته، أجد أن المودة التي كان يكتب عنها لم تكن مجرد كلمات يسطرها، بل خُلقًا يحمله وموقفًا يمارسه. لقد امتلأ فؤاده بالمودة حتى فاضت على أصدقائه، وكان لي من هذه المودة نصيب في رسالة قصيرة تحمل من المعاني ما تعجز عنه صفحات.
وهنا تكمن الحكاية.
فالصداقة الحقيقية ليست بعدد اللقاءات، ولا بكثرة المكالمات، ولا بطول الجلسات والطلعات، ولا حتى بتبادل الرسائل اليومية. فقد نلتقي بأشخاص كثيرين، ونتحدث معهم باستمرار، ثم لا نجد لهم حضورًا في اللحظات التي تعني لنا شيئًا.
أما نبيه، فقد قدّم لي معنى آخر للصداقة. صداقة لا تحتاج إلى لقاء متكرر، ولا إلى اتصال أسبوعي، ولا إلى مجاملات المناسبات. يكفيه أن يحتفظ في ذاكرته بيوم رحيل أبي، ثم يشاركني ذكراه كل عام برسالة ودعاء.
وأظن أن نبيه قد سنّ لنا نوعًا جديدًا من الصداقة، لا أعرف له اسمًا محددًا، وأترك للقارئ أن يختار له التسمية التي تليق به.
إنها رسالة صغيرة في عدد كلماتها، كبيرة في معناها، تحمل من الوفاء أكثر مما تحمله أحاديث طويلة ولقاءات كثيرة.
لقد أدركت من صديقي نبيه أن بعض الأصدقاء لا يكتفون بمشاركتنا الحياة، بل يشاركوننا الوفاء لمن رحلوا منها. وأن الصداقة قد تظهر في رسالة تصل في موعدها، وفي دعوة صادقة لميت عزيز، وفي ذاكرة تحفظ ما نحب أن يبقى حاضرًا.
ولعل أجمل ما في رسالة نبيه أنها تعيدني إلى حياة أبي، إلى صوته وملامحه ومواقفه، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي بقيت في نفسي، كما تذكرني بأن الحياة، رغم ما أخذته منا، لا تزال تمنحنا أصدقاء يعرفون كيف يلامسون قلوبنا دون أن يكثروا من الحضور.
يا صديقي نبيه، أبي لم يغب عن قلبي يومًا، ولن أنسى أنك تتذكره معي. وقد لا تجمعنا اللقاءات كثيرًا، لكن رسالتك السنوية جعلت لك مكانًا في قلبي لا تصنعه كثرة اللقاءات.
ولعل لصديقي نبيه من اسمه نصيبًا؛ فقد تنبّه إلى يوم لا يغيب عن قلبي، وحفظ لأبي ذكرى في قلبه، وجعل من رسالته السنوية شاهدًا على وفاء لا تصنعه كثرة اللقاءات.
وعزاؤنا بعد فقد آبائنا وأحبتنا أن نجد في هذه الحياة من يحتوينا بكلماته الطيبة، ومواقفه المشرفة، وإنسانيته العالية، ومن يشعرنا أن الحزن الذي نحمله في قلوبنا ليس حزنًا نحمله وحدنا، وأن من رحلوا عنا ما زال لهم في قلوب الآخرين نصيب من المحبة والذكر والدعاء.
رحم الله والدي رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعني به في مستقر رحمته، وجزى الله كل قلب وفيّ لم ينسَ أحبتنا من دعائه.


