يتغنّى الحوثيون بادعاء انتسابهم إلى بيت النبوة، وكأن شجرة النسب صرّاف آلي يمنحهم شرعية بلا رصيد، وشهادة حسن سلوك لا تنتهي صلاحيتها. يكفي، في منطقهم، أن يحدّثوا الناس عن أسلافهم، حتى يسقط السؤال عمّا تصنعه أيديهم. أما الحكم والعدل وصيانة الحقوق، فتفاصيل يُرجى عدم إزعاج أصحاب المقام بها!
لكن شرف الانتساب، إن صحّ، يحتاج إلى أخلاق تشهد له. فأي شاهد تقدّمه الصواريخ التي تستهدف المطارات المدنية في السعودية؟ وأي اقتداء بالرحمة النبوية في ترويع الآمنين وتعطيل مصالحهم وحياتهم اليومية؟ يبدو أنهم يريدون توقيرًا حاضرًا، ومحاسبة مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى.
وتزداد المفارقة حين تتجه صواريخ المتغنّين بهذا الانتساب نحو المملكة، التي تحتضن مهبط الوحي وأرض الرسالة ومهوى أفئدة ملايين المسلمين من شتى الدول. فأي وفاء للرسالة في الاعتداء على أمن هذه البلاد، وتعريض مواطنيها والمقيمين فيها للخطر، وتهديد حركة السفر التي يعتمد عليها أيضًا ضيوف بيت الله الحرام؟ يريدون من المسلمين احترام صلتهم التي يدّعونها بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم يتركون لهم مهمة الاحتماء من صواريخهم!
وقد سبق أن أعلن التحالف اعتراض صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه مكة المكرمة . ويحق للمرء، أمام هذا الإعلان، أن يسأل عن التناقض بين جماعة تسمّي نفسها «أنصار الله» وبين أفعال تهدد أمن أرض تحتضن قبلة المسلمين. فأين أثر النصرة في السلوك؟ أم أن الاسم يؤدي الواجب كاملًا، ويترك للأفعال حرية نقضه؟
أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم على مطار الرياض، وادّعت استهداف مطار الدمام أيضًا. وهكذا يصبح المدنيون ومصالحهم مادة لبياناتها العسكرية؛ فلا المسافر اختار أن يكون طرفًا في حربها، ولا العامل في المطار جاء إلى عمله ليصبح هدفًا لصواريخها.
والمطار المدني ليس مدرجًا للطائرات وصالات للمغادرة والوصول فحسب؛ إنه منظومة متكاملة من المصالح الإنسانية والاقتصادية والتجارية. عبره يعود طالب، ويسافر مريض، ويلتئم شمل أسرة، وتصل بضائع، وتُنجز أعمال. لذلك لا تنحصر آثار الاعتداء عليه في المصابين، على فداحة إصاباتهم؛ فقد تمتد إلى اضطراب الرحلات الجوية، وتعطيل حركة الأعمال، وتهديد سلاسل الإمداد، والإضرار بالسياحة والاستثمار. إنه اعتداء قد يشلّ جانبًا من الحياة اليومية، ويصل أثره إلى بيوت وأرزاق بعيدة عن موقع الانفجار.
فهل أصبح المسافر الذي يحمل حقيبته مقاتلًا؟ وهل تحوّل الموظف الذي ينظّم حركة الركاب إلى خصم عسكري؟ وأي بطولة تتحقق بإخافة أسرة تنتظر عودة أحد أبنائها؟ لعل الجماعة تحتاج، قبل بيانها المقبل، إلى درس في الفرق بين صالة المغادرة وساحة المعركة؛ فحقيبة السفر لا تصبح قذيفة بقرار من المتحدث العسكري.
والقانون الدولي الإنساني يوجب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. ولا تتحول منشأة مدنية إلى هدف مشروع لمجرد ورود اسمها في بيان متحمّس. تستطيع الجماعة أن ترفع صوتها ما شاءت، لكن ارتفاع الصوت لا يخفض مسؤولية من أطلق الصاروخ.
وإذا كان الجيران يتلقّون نصيبهم من هذا الإيذاء عبر الصواريخ، فإن اليمنيين يعيشون تحت وطأته في تفاصيل يومهم. ففي الداخل أيضًا، تتسع المسافة بين التفاخر بالنسب وممارسة السلطة. وقد وثّقت منظمة Human Rights Watch تجنيد الحوثيين أطفالًا، بعضهم في الثالثة عشرة. ويبدو أن الطفولة في قاموس الجماعة مرحلة يمكن اختصارها: قليل من التلقين، وبندقية أطول من ذراع صاحبها، ثم إلى الجبهة! أما المدرسة وأحلام المستقبل، فلا نصيب لها في حساباتهم.
أي شرف يحتاج إلى أطفال الفقراء كي يحرسوه؟ وأي رحمة تُثبتها يد تدفع الصغار إلى أهوال القتال؟ إن من يستحضر اسم الرسول ﷺ في خطابه، ثم يستهين بحياة الأطفال، يضع دعواه أمام امتحان أخلاقي لا تنفع فيه بلاغة الخطب، ولا تصلح شجرة العائلة جوابًا عن أسئلته.
ولقوت الناس نصيبه أيضًا؛ فقد تناولت تحقيقات صحفية اتهامات بتحويل المساعدات، وفرض جبايات قاسية، واستغلال الحاجة لإخضاع السكان. يا لها من براعة في الحكم: يُترك المواطن يبحث عن رغيفه، ثم يُطلب منه أن يهتف! وحين يسأل عن حقه وقوت أسرته، يجد أمامه خطبة أطول من قائمة احتياجاته.
يريد الحوثيون أن يجعلوا من النسب الذي يدّعونه تاجًا على رؤوسهم، وصكّ براءة لكل ما تقترفه أيديهم؛ كأن شجرة النسب تمحو صحيفة الحساب. فإذا سألهم الناس: ماذا صنعتم بحياتنا؟ جاءهم الجواب بما معناه: ألا تعرفون من نحن؟ وكأن السؤال عن العدالة إساءة أدب، والمطالبة بالحقوق تطاول على المقام.
لكن الانتساب إلى رسول الله ﷺ، مهما صحّ، لا يمنح عصمة، ولا يجعل اليمن ميراثًا عائليًا يُستولى عليه بقوة السلاح. ومحبة آل البيت لا تعني التسليم لجماعة تغتصب السلطة، ثم تحاول إلباس استيلائها عليها عباءة النسب؛ كأن شجرة العائلة دستور للحكم، وكأن اليمن تركة تنتظر ورثتها! ومن يستدعي شرف الانتساب لتبرير سلطته، فليقبل أن تُوزن أفعاله بميزان الأخلاق التي يستدعيها.
الناس في اليمن وفي جواره يحتاجون إلى طفل يعود من المدرسة، وأسرة تستقبل مسافرها بأمان، ورزق لا تقطعه جباية أو صاروخ، وسلطة تُسأل عن أفعالها دون أن تحتمي بأسماء أسلافها. وهذه مطالب لا تحتاج إلى خبير في الأنساب، بل إلى حاكم يعرف واجباته.
فلتبقَ شجرة النسب في كتب الأنساب، وليُحاسَب من استولى على السلطة على ما تصنع يداه. لا يستطيع جائع أن يأكل أغصانها، ولا أمّ أن تسترد بها طفلها، ولا مسافر أن يحتمي بظلها من صاروخ. ومن أراد أن يجعل الانتساب عنوانًا لشرفه، فليُرِ الناس ثمرته في العدل والرحمة. أما إذا كانت الثمرة صواريخ وجبايات وأطفالًا في الجبهة، فالمشكلة لن يحلّها نسّابة؛ إنها تحتاج إلى محاسبة.



النسب أصبح وسيلة لاستدراج عواطف العامة والبسطاء لتوظيف شعبويتهم واستدراج نضجهم واستغلال وعيهم الجمعي لتهيئته وتشتيته لتقبل الاعتداء السافر على المطارات المدنية.. و للرضوخ لانتهاك القانون الدولي واختبار للمنظمات الدولية المسؤولة عن المجتمع الدولي تجاه ماتقوم به جماعة الحوثي المارقة والدول المساندة و الداعمة لهّا ، من درل الحوار بالخليج إلى دول العروبة أقصى المحيط…
نحن أبناء هذا الوطن لن نسمح بأن يُستغل تريث العقلاء لترويج الباطل و الافتراء على الوطن وانتهاك حرمة أرضه وشعبه و المقيمين عليه
فمحبتنا للسلام والتسامح والتعاطف و المساندة والدعم نهج لحكومتنا وشعبنا ، فمن طبع السعوديين التأني والروية قبل الحسم ، تلك ميزةً تحسب لنا لاعلينا ، لأنها ليست ضعفاً ولا خنوعاً أو قبولاً للباطل ، فالسعودية لن تختبيء في ظل شجرة النسب لتقذف الآخرين أو ندمر مقدراتهم التي وهبهم اياها من رفع سبع سماوات بغير عمد..
اللهم
من أراد بوطني خيرًا فوفقه لكل خير، ومن أراد به سوءًا أو فتنةً أو شراً فردَّ كيده لنحره، واجعل تدبيره تدميره، وأشغله بنفسه، وأبطل مسعاه، واكشف ستره ولا تُبقِ له أرضاً ولا سماء و لامأوى يلحأ له ، اللهم لا تذر على أرض بلدي معاديًا له إلا أهلكته، ولا متربصًا بأمنه إلا خذلته، ولا باغيًا عليه إلا قصمته..
اللهم احفظ و طننا و حكومتنا و قادتنا وسدد ملكنا و ولي عهده واجعلهم في حرزك وحفظك وضمانك وأمانك و كنفك الذي لا يرام …
بلدي
والله ما مثلك في هالدنيا بلد 🇸🇦